الائتلاف يستميل السعودية... خطوة باتجاه إعادة صياغة علاقات المعارضة السورية مع الفاعلين العرب 

25 ديسمبر 2020
الصورة
الحريري بعث برسالة إلى وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان (فابريس كوفريني/فرانس برس)
+ الخط -

يبدو أن المعارضة السورية، ولا سيما "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة"، باتت في طور إعادة صياغة علاقاتها مع الدول الداعمة للثورة تقليدياً، بعد برود تلك العلاقة مع الكثير من الدول، لاسيما على المستوى العربي، لأسباب عدة، في مقدمتها طول أمد الحرب السورية، وتزاحم الفاعلين الدوليين على الأرض وضمن المسارات السياسية، بالإضافة للغموض الذي يكتنف صياغة الحل النهائي للقضية السورية.

ضمن ذلك، تبرز رسالة رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، نصر الحريري، التي وجهها لوزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، أمس الخميس، ويكمن بين سطورها استنهاض دور السعودية في الملف السوري، الذي أخذ بالتراجع منذ التدخل الروسي عام 2015 حتى وصل إلى مرحلة الغياب شبه الكامل بعد الأزمة الخليجية. 

غير أن تحركات للسعودية شرقي سورية منتصف العام الماضي، ورعاية الرياض لمؤتمر انتخاب قائمة المستقلين بهيئة التفاوض، أعاد الدور السعودي في الملف السوري إلى الواجهة من جديد، وإن ضمن إطار لا يتفق مع رؤية الائتلاف وحليفه التركي، لكن يبدو أن الائتلاف يحاول استغلال التحسن النسبي للعلاقة بين أنقرة والرياض، ليدخل من بينها لإعادة تنشيط العلاقة مع السعودية.  

وحملت رسالة الحريري إلى وزير الخارجية السعودي دعوة المملكة للتدخل في تطبيق الحل السياسي في سورية، والدفع بالجامعة العربية لاتخاذ مواقف فعالة لتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة بالشأن السورية، وفي مقدمتها بيان جنيف والقرار 2254.

وأكد الحريري، في رسالته، على "دور المملكة في جامعة الدول العربية والأمم المتحدة، وسعيها الدؤوب وموقفها الثابت والمبدئي الداعي إلى التسريع بإيجاد حل سياسي وشامل في سورية، بما يحقق مصلحة ومطالب الشعب السوري، ويعيد الاستقرار للمنطقة بأسرها، كون الحل السياسي الشامل هو الضامن الوحيد لإيقاف معاناة السوريين"، بحسب ما نقل الموقع الرسمي للائتلاف حول الرسالة. 

كما أشاد الحريري خلال رسالته بـ"دور المملكة وجهودها في رعاية تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة تنفيذاً لاتفاق الرياض"، مؤكداً على "الإيمان العميق بالدور الدبلوماسي الريادي لحكومة المملكة العربية السعودية الذي لم يتأخر لحظة في العمل على حل النزاعات وإحلال السلام والاستقرار في المنطقة بكل الوسائل الممكنة"، معبراً عن "تطلع الائتلاف الوطني لأن تلعب المملكة العربية السعودية دوراً دبلوماسياً مهماً في دعم جهود الأمم المتحدة والمبعوث الأممي الخاص إلى سورية للوصول إلى حل سياسي متوافق مع بيان جنيف، وما تنص عليه القرارات الأممية ذات الصلة، وخاصة القرار 2254 لعام 2015، والقرار 2118 لعام 2013".  

وكان الحريري نفسه، قد وجه نهاية العام الماضي، انتقاداً للمملكة بشكل دبلوماسي، حين كان يقود "هيئة التفاوض السورية"، وذلك على خلفية رعاية الرياض لاجتماع شخصيات معارضة سورية مقربة من السعودية، خلص إلى إعادة انتخاب قائمة المستقلين داخل الهيئة دون علم باقي مكوناتها، الأمر الذي قرئ حينها على أنه توجه سعودي لتخفيف النفوذ التركي داخل الهيئة والمعارضة بشكل عام.  

وعن المراد من الرسالة الأخيرة لرئيس الائتلاف من السعودية، وهل تأتي كخطوة أولى لإعادة تفعيل المعارضة لعلاقاتها مع الدول العربية، قالت نائبة رئيس الائتلاف والمتحدثة الرسمية باسمه ربا حبوش: "طالبنا بضرورة تفعيل الدور العربي، لأنه دور مهم وضروري، ولأن الوضع الطبيعي هكذا يجب أن يكون، فسورية عضو مؤسس في جامعة الدول العربية، وهي جزء عضوي من الأمة العربية والإسلامية لا يمكنه الانفكاك، وحقيقة إن غياب الدور العربي الفاعل في قضيتنا يضعف موقفنا كشعب لصالح النظام ورعاته وعصاباته الطائفية، لاسيما نظام الملالي الإيراني الذي لم يعد أحد يجهل مدى خطورة دوره التخريبي في سورية والخليج العربي، وعموم المنطقة".

وأضافت حبوش في حديثها لـ"العربي الجديد": "نحن على أعتاب مرحلة جديدة، وعلى الدول العربية أن تعيد بناء جبهتها، وأن تعمل من أجل علاقات إقليمية جديدة، والمأمول أن تلعب المملكة دوراً أكثر فاعلية في هذا المجال".  

وتابعت: "رسائلنا للأخوة العرب تركز على ضرورة تضافر الجهود للضغط على المجتمع الدولي وعلى رعاة النظام من أجل الحل السياسي، وكذلك للبدء ببناء نظام إقليمي يكون مدخلاً لهذا الحل السياسي، ويضع حداً للنظام الإيراني، ومن ثم فتح الباب أمام حل جميع أزمات المنطقة". 

حبوش: رسائلنا للأخوة العرب تركز على ضرورة تضافر الجهود للضغط على المجتمع الدولي وعلى رعاة النظام من أجل الحل السياسي

وعن الدور المأمول من السعودية في المرحلة المقبلة، أشارت حبوش إلى أن "المملكة دولة محورية وهامة ومؤثرة على مستوى الإقليم والعالم، وعلاقتنا بها ممتازة، ونحن نعوّل على دور كبير للأشقاء في المملكة، لاسيما في هذه المرحلة وما يليها، وإن جهود المملكة في دعم الشعب السوري مستمرة، والمأمول أن يتم استغلال المتغيرات الدولية والإقليمية لإنهاء المعاناة في سورية بشكل حاسم، وتوفير الضغوط العربية والدولية اللازمة لفرض الحل السياسي على النظام، وقطع كل الطرق الأخرى أمامه"، مشيرة إلى أن "هناك دوراً محورياً يمكن أن تقوم به المملكة العربية السعودية في إنهاء معاناة الشعب السوري، والعمل على دعم فرص الحل السياسي في سورية، وإنهاء التغلغل الإيراني في المنطقة".  

وأبرزت المتحدثة باسم الائتلاف أنّ "السعودية قادرة بفضل ثقلها السياسي وأهميتها وإمكاناتها على إطلاق خطوات مهمة على هذا الطريق، ووضعه على طاولة البحث الدبلوماسي، وخلال جميع لقاءاتها مع الأطراف الفاعلة في المجتمع الدولي"، مشيرة إلى أن "مخططات النظام الإيراني للهروب من فشله الداخلي والفساد والخراب الذي يجره على الشعب الإيراني مستمرة، وهو مستمر بإشعال أزمات جديدة يوماً بعد يوم، ولن يقف قبل أن ينشر الفوضى في كل المنطقة العربية، ولا يمكن الاكتفاء بمشاهدة الحريق دون القيام بواجبنا تجاهه". 

ومنتصف يونيو/حزيران من العام الماضي، زار وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي ثامر السبهان، مناطق شرقي وشمالي سورية التي تسيطر عليها "الإدارة الذاتية" الكردية، والتقى بشخصيات عربية وكردية سورية برفقة مسؤولين أميركيين في الملف السوري.

وكانت زيارة السبهان هي الثانية بعد أولى قام بها إلى شرق سورية في العام 2017، وعلى خلفية الزيارتين، أشارت معلومات إلى أن السعودية قدمت أموالاً لمكونات سياسية وعسكرية شرقي سورية، من ضمنها "قوات سورية الديمقراطية" (قسد)، التي تشكل "وحدات حماية الشعب" الكردية قوامها الرئيسي، وذلك في مسعى للمملكة في مواجهة النفوذ التركي في سورية.

بيد أنّ المصلحة السعودية الأهم في سورية، وشرقيها تحديداً، تكمن في تحجيم النفوذ والتمدد الإيرانيين، بدعم أي جهة كانت لقطع الممر أو الطريق التي تنوي إيران تثبيتها ليصل من طهران إلى بيروت، مروراً بسورية، وعلى ذلك تتفق مصالح المعارضة مع السعودية، وتختلف في آن، إذ لا تزال المعارضة على تعارض، بل وصدام مستمر، مع السيطرة الكردية شرقي البلاد، بما يناسب التوجه التركي، لكن أي انفراج في العلاقات التركية– السعودية قد يعيد صياغة علاقة المعارضة مع الرياض، بما قد يستميل الأخيرة من جديد لتكون حاضرة كفاعل في الملف السوري لصالح المعارضة.

المساهمون