أزمة كاليدونيا الجديدة... أرخبيل النيكل يتمرد على فرنسا

21 مايو 2024
شرطي ومواطن في أحد شوارع عاصمة كاليدونيا الجديدة نوميا، 18 مايو (ثيو روبي/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- اندلعت أزمة في كاليدونيا الجديدة، مقاطعة فرنسية، تحدياً للرئيس ماكرون قبل الانتخابات الأوروبية، مع تاريخ من التوترات ومطالبات بالاستقلال، ورغم ثلاث استفتاءات أيدت البقاء ضمن فرنسا.
- تصاعدت الأزمة بعد تعديل قانوني يوسع لائحة الناخبين، مما أثار احتجاجات السكان الأصليين "الكاناك" ومواجهات عنيفة، استدعت تدخل الجيش الفرنسي لاستعادة النظام.
- فرنسا تتهم أذربيجان والصين بتأجيج الاضطرابات، فيما تواجه كاليدونيا الجديدة، ذات الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية، انقساماً سياسياً واجتماعياً، مما يضع الحكومة الفرنسية أمام تحديات كبيرة لحل الأزمة.

انفجار الوضع في كاليدونيا الجديدة الواقعة في المحيط الهادئ أزمة جديدة على طاولة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على بعد أسبوعين من استحقاق الانتخابات البرلمانية الأوروبية، المقرّرة في 6 يونيو/حزيران المقبل، حيث تزيد أزمة كاليدونيا الجديدة من متاعب ماكرون الداخلية، المرشحة لأن تنعكس في الاستحقاق الأوروبي.

أزمة كاليدونيا الجديدة تاريخياً

ومن غير موعد أو مقدّمات، تحرك الشارع في واحدة من أهم مقاطعات إقليم "ما وراء البحار"، التي لم يسبق لها أن عرفت اضطرابات على هذا القدر من العنف منذ أحداث نهاية الثمانينيات في القرن الماضي، عندما تحركت التظاهرات مطالبة بالاستقلال عن فرنسا. وفي حينه، طُوِّق الأمر من خلال الاتفاق عام 1988 على تنظيم استفتاء حول الاستقلال، خسره أنصار المطالبة برحيل فرنسا عن تلك المنطقة، التي استولت عليها وتملكتها عام 1853.

جاءت نتائج 3 استفتاءات في كاليدونيا الجديدة لصالح البقاء في فرنسا

تحوّل أرخبيل الجزر الواقع في المحيط الهادئ إلى شبه دولة، تتشارك فيها السلطة حكومة منتخبة محلياً ومفوض سامٍ تعيّنه باريس. وتمتد كاليدونيا الجديدة على مساحة جغرافية تعدّ كبيرة نسبياً، تتجاوز 18 ألف كيلومتر مربع، بالنسبة إلى عدد سكّان يصل إلى 300 ألف، يشكل أهل البلاد الأصليين المعروفين بـ"الكناك" نسبة 40 في المائة منهم، بينما يحمل باقي السكان اسم "كالدوش"، يشكل الفرنسيون منهم نسبة تبلغ حوالي 35 في المائة، والنسبة الباقية تعود إلى أقليات أخرى من أوروبيين وإندونيسيين وفيتناميين وصينيين.

بقيت المنطقة تدار من قبل فرنسا من دون صفة قانونية حتى عام 1946، عندما منحتها باريس صفة إقليم فرنسي ضمن مناطق "ما وراء البحار". ومنذ عام 1953، بات السكان المقيمون على تلك الأرض يحملون الجنسية الفرنسية، فيما أدرجتها الأمم المتحدة في عام 1986 على قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المحكومة ذاتياً. وقاد ذلك إلى تنظيم استفتاء بشأن الاستقلال في العام التالي، إلا أن الغالبية العظمى ممن شاركوا فيه صوّتوا ضد الاستقلال.

وبعد حوالي عام من ذلك، توتر الوضع، وقادت الحركة الاستقلالية جملة من التحركات، تطورت إلى اضطرابات واسعة، انتهت إلى "اتفاق نوميا" (عاصمة الإقليم) الشهير بين رئيس الحكومة الفرنسية حينذاك ميشيل روكار و"جبهة التحرير الوطنية الكاناكية والاشتراكية"، وهي تجمع يضم عدداً من الحركات الاستقلالية. وبموجب ذلك الاتفاق بعد أزمة كاليدونيا الجديدة في الثمانينيات، توصل الطرفان إلى خطة لإنهاء الاستعمار تمتد لـ20 عاماً، وجرى تنظيم الاستفتاء على ثلاث دورات، كان آخرها في عام 2021، وجاءت نتائجها كافة لصالح البقاء في فرنسا، ورفض الاستقلال بنسبة كبيرة جداً، وصلت حتى 90 في المائة من المصوتين، وهو ما أثار ردود فعل سلبية من طرف الاستقلاليين.

بقيت هذه المسألة مثار خلاف على الدوام، حتى جاء تصويت البرلمان الفرنسي في الرابع عشر من شهر مايو/أيار الحالي على مشروع قانون دستوري، يوسِّع لائحة الناخبين في الإقليم المذكور، الأمر الذي عدَّه "الكاناك" مُجحفاً بحقهم، لأنه يُضعف وزنهم في الانتخابات الإقليمية العام المقبل وأي انتخابات لاحقة، كما أنه يُحبط رغبتهم في الاستقلال يوماً ما عن فرنسا. وأيقظ المشروع الجمر من تحت الرماد، وأدى إلى اندلاع مواجهات استمرت ثلاثة أيام، ثم هدأت يومين، وعادت بصورة متقطعة.

وشهدت العاصمة نومیا، أكبر مدن كاليدونيا، أوسع حركة من الاحتجاجات العنيفة وأعمال الشغب واسعة النطاق، بما في ذلك اشتباكات عنيفة وتبادل إطلاق نار بين المتظاهرين، ومجموعات الدفاع المدني المكلفة بحماية الممتلكات والمنشآت الحكومية. وقدّرت غرفة التجارة في كاليدونيا الجديدة الأضرار الناجمة عن الاشتباكات والنهب في الأيام الثلاثة الأولى بنحو 200 مليون يورو، وذلك نتيجة تعرض العديد من المتاجر للنهب والسرقة، إذ تكبّدت المنشآت التجارية والمصانع خسائر فادحة بعد تعرض العديد منها للنهب والحرائق المتعمدة، ما يُهدد بفقدان نحو ألف وظيفة، وفقاً لتقديرات اتحاد أرباب العمل المحلي.

هدأ الموقف نسبياً في اليوم الرابع، بعد إعلان باريس حالة الطوارئ في الأرخبيل لمدة 12 يوما، وأرسلت الجيش لتأمين المواقع الاستراتيجية من مطار وموانئ الإقليم. وقال رئيس الوزراء الفرنسي غابريال أتال إن قوات الدرك واجهت في ثلاث بلديات في الجزيرة نحو خمسة آلاف متظاهر، بينهم ما بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف في نوميا، وأنه جرى اعتقال مائتي شخص. ورمت باريس مسؤولية الشغب وما رافقه على "خلية التنسيق الميداني" التابعة للكاناك، وحرصت في الوقت نفسه على إبعاد المسؤولية عن حزب الكاناك الرئيسي المؤيد للانفصال عن فرنسا، المعروف بـ"جبهة الكاناك الاشتراكية للتحرير الوطني"، التي كانت من أطراف أزمة كاليدونيا الجديدة التي دعت إلى التهدئة، وطلبت سحب قانون التعديل الدستوري "من أجل المحافظة على الشروط الضرورية للتوصل إلى اتفاق سياسي شامل بين المسؤولين الكاليدونيين والدولة الفرنسية".

اتهامات لأذربيجان والصين

تولي فرنسا كاليدونيا الجديدة اهتماماً كبيراً من النواحي العسكرية والجيوسياسية وكذلك الاقتصادية؛ فاإقليم يمتلك مخزوناً كبيراً من معدن النيكل يقدّر بنحو 25 في المائة من الاحتياطي العالمي من المعدن. وعلى الرغم من ذلك، كانت كاليدونيا الجديدة تعيش استقراراً سياسياً ضعيفاً، حيث تعاقبت على حكم الأرخبيل 17 حكومة منذ عام 1999، وسط حالة سخط عام تجاه تقاعس السياسيين المسؤولين عن إيجاد حلول للمشكلات السياسية والاقتصادية. وجرى التعويل على الاستفتاء الأخير في نهاية 2021، الذي قاطعته جبهتا الكاناك والتحرير الوطني الاشتراكي، لكنه لم ينجح في إيجاد حلول جذرية لأزمة كاليدونيا الجديدة ومشكلات الإقليم. وعلى المستوى السياسي، لا تزال الساحة منقسمة بين القوى المؤيدة والمعارضة للاستقلال. وانتُخب رئيس كاليدونيا الحالي لويس مابو في عام 2021، وهو أول زعيم من السكّان الأصليين، ولكنه مؤيد للاستقلال عن فرنسا. وما عقّد أزمة كاليدونيا الجديدة أكثر تأجيل انتخابات المجالس والبرلمان، التي كان من المقرر إجراؤها في مايو الحالي، حتى نهاية العام.

عدَّ "الكاناك" مشروع القانون الانتخابي الفرنسي مُجحفاً بحقهم، لأنه يُضعف وزنهم في الانتخابات الإقليمية

باريس، التي يتراوح موقفها في أزمة كاليدونيا الجديدة بين التشدد في قمع التمرد وترك باب الحوار مفتوحاً، سعت إلى رمي المسألة على طرف خارجي، ووجهت الاتهام رسمياً إلى أذربيجان بالمشاركة في تفجير الاضطرابات وتسعير نارها، وهذا ما جاء على لسان وزير الداخلية جيرالد دارمانان، الذي قال إن "اتهام اذربيجان ليس خيالاً، وهو حقيقة". واتهم دارمانان بعض قادة كاليدونيا الجديدة المؤيدين للاستقلال بعقد صفقة مع أذربيجان، ووصف رئيس أذربيجان إلهام علييف بالديكتاتور "الذي يقمع شعبه ويتدخل في أماكن أخرى". وتحدث عن دور المسألة الأرمنية في الخلاف الفرنسي الأذربيجاني. وقال إن هناك "تدخلاً" من جانب أذربيجان في الاضطرابات، مضيفاً أن النشطاء المؤيدين للاستقلال توصلوا إلى "اتفاق" مع باكو. وبحسب تقارير إعلامية فرنسية، ظهرت أعلام أذربيجان في التظاهرات التي جرت في كاليدونيا. ونفت دبلوماسية باكو هذه الفرضية، وتحدثت عن "تصريحات مسيئة" صادرة عن فرنسا، بحسب ما صرح به المتحدث باسم وزارة الخارجية الأذربيجانية أيهان حاجي زاده.

وانسحبت التهمة في أزمة كاليدونيا الجديدة بصورة غير رسمية على الصين، وكانت الخطوة الأولى هي منع تطبيق "تيك توك"، الذي استُخدم للتواصل بين المشاركين في الاضطرابات، وتحدث أكثر من خبير فرنسي عن أن الصين تشكل منافساً رئيسياً لفرنسا على النيكل الذي تستخدمه في صناعة البطاريات. وتقوم الصين بشراء المصانع والمؤسسات التجارية التي تعاني من صعوبات مالية، وتضخ فيها رؤوس أموال جديدة وتعيد إطلاقها، ما سمح لها بحضور يتعاظم باستمرار في الأرخبيل.

يملك الإقليم مخزوناً كبيراً من معدن النيكل يقدّر بنحو 25 في المائة من الاحتياطي العالمي من المعدن

الاتهامات التي صدرت على ألسنة خبراء فرنسيين لكل من أذربيجان والصين بتأهيل الكوادر الاستقلالية في كاليدونيا الجديدة، وتقديم المساعدات المالية واللوجستية لها، يعطف ما يجري في أزمة كاليدونيا الجديدة من تحركات ضد فرنسا على ما حصل ضدها خلال الأعوام الأخيرة الماضية في أفريقيا، وخسارتها كل من جمهورية أفريقيا الوسطى وبوركينا فاسو ومالي والنيجر. ويشبه منتقدو بكين دور الصين في أزمة كاليدونيا الجديدة بدور روسيا في أفريقيا، الذي شجع ودعم النزعات المعادية للوجود الفرنسي.

كشفت الأحداث في كاليدونيا الجديدة عن أزمة عميقة فاجأت الدولة الفرنسية وعموم سكان الأرخبيل، وهي متعددة الأطراف: سياسية عبّر عنها الخلاف على مشروع القانون، والثانية حالة من الاحتقان، برزت بقوة من خلال عمليات النهب الواسعة وحرق وتدمير مصالح الفرنسيين، والثالثة جيوسياسية، تتعلق بحضور فرنسا في المحيط الهادئ. وإزاء ذلك، تبين أنه ليست لدى الدولة الفرنسية وسائط لقياس ردود فعل الرأي العام على مشروع القرار، وهذا يعني الغياب التام لأجهزة الدولة المعنية بهذه المسائل، خصوصاً أنه تبين في أزمة كاليدونيا الجديدة أن الأحداث التي بدت عفوية في البداية، سرعان ما اتسعت دائرتها، وهذا ما يفسّر عدم قدرة الدولة على السيطرة عليها خلال أيام عدة، بدا فيها الوضع سائراً للخروج عن السيطرة، حتى إن العنوان الذي تصدر نشرات الأخبار في وسائل الإعلام الفرنسية هو سؤال الحرب الأهلية في كاليدونيا الجديدة. كما أن الشهادات التي نقلتها قنوات التلفزة كانت تتحدث بصورة أساسية عن حالة الهلع التي عاشها السكان الفرنسيون، الذين اتهموا باريس بالتخلي عنهم، وأنهم بدأوا بتنظيم أنفسهم من أجل الدفاع عن مصالحهم التجارية وأملاكهم ومنازلهم.

المسألة الثانية التي بدت للمراقبين هي عدم وجود خبرة داخل الجهاز الحكومي للتعامل مع هذا الحدث، وبدا رئيس الوزراء ووزير الداخلية الفرنسيان شبه عاجزين لا يعرفان ما هو الطريق المناسب من أجل تهدئة الوضع. وأخذت أغلبية القوى السياسية على الحكومة توقيت طرح المشروع، واعتبروه بمثابة ليّ ذراع للقوى الاستقلالية، في حين كان الوضع يستدعي الحوار معها للخروج بتصور مشترك، ولذلك طالبوا بسحب المشروع، وهو ما رفضه وزير الداخلية. وقد لوحظ أنه أُلغي، يوم الخميس الماضي، مؤتمر الفيديو الذي اقترحه ماكرون على الممثلين المحليين لكاليدونيا الجديدة. وقال الإليزيه إن المؤتمر لن يُعقد لأن "الجهات الفاعلة المختلفة لا تريد الحوار بعضها مع بعض". وقد لاقى ذلك انتقادات، فبدلا من نزول رجال الدولة إلى موقع الحدث لمحاورة الفاعلين، يجرى التعاطي مع الحريق ببرودة أعصاب وفوقية، ومحاولة وضع حد لها عن طريق الفيديو.


 

المساهمون