"الحوار الوطني" المصري: استياء من تخلّف النظام عن وعوده

"الحوار الوطني" المصري: استياء من تخلّف النظام عن وعوده

10 يوليو 2022
رفض النظام طلب نقل أبو الفتوح للمستشفى (خالد كامل/فرانس برس)
+ الخط -

حالة من الاستياء تسيطر على أوساط الأحزاب المصرية المنضوية تحت لواء 30 يونيو، والتي تلعب دور "المعارضة"، وبالتحديد بين من أبدوا تجاوباً مع دعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى الحوار الوطني التي أطلقها في 28 إبريل/نيسان الماضي خلال حفل إفطار "الأسرة المصرية".

استياء الأحزاب المصرية: حوار تجميلي

ويعود الاستياء إلى تجاهل النظام الحاكم طلبات الإفراج عن "أبناء الأحزاب" المعتقلين منذ فترات طويلة، والاكتفاء بالإفراج عن قائمة تضم 60 شخصاً فقط، لا تشمل معارضين سياسيين. وتضم القائمة فقط مواطنين عاديين ممن تمّ القبض عليهم في أحداث متفرقة، مثل عمال شركة "مصر للتأمين"، الذين سبق القبض عليهم لتنظيمهم وقفة احتجاجية، قبل شهور.

وقالت مصادر حزبية مصرية، لـ"العربي الجديد"، إن النظام الحاكم "مُصرّ على تحويل الحوار الوطني إلى كرنفال تجميلي، يبيّض وجهه أمام الخارج فقط، من دون الحديث عن أي تعديلات جوهرية أو تقدّم حقيقي في الملفات المهمة التي تؤرق المصريين".

يتجاهل النظام طلبات الإفراج عن "أبناء الأحزاب" المعتقلين منذ فترات طويلة

ورأى مصدر حزبي مصري أنه "في الوقت الذي يحدد فيه النظام من يشارك في الحوار ومن لا يشارك، وبينما التزمت أطراف محسوبة على المعارضة التجاوب، لإبداء حسن النوايا، مع ملاحظات من جهاز المخابرات العامة الممثل للسلطة في هذا الحوار، والتي كان في مقدمتها اعتراضه على نحو 10 أسماء جرى ترشيحها لمجلس أمناء الحوار، فإن النظام يرفض في المقابل الوفاء بوعوده التي قطعها في ملفات لا تحتاج أي جهد منه، ولا تكلف السلطة أي تبعات، وعلى رأسها ملف سجناء الرأي، الذين قضوا سنوات عديدة في السجون من دون محاكمة".

وأضاف المصدر: "حصلنا على وعود بإطلاق قائمة كبيرة من سجناء الرأي الذين تتمثل كل تهمتهم في التعبير عن رأيهم على مواقع التواصل الاجتماعي". وأوضح أنه "كانت هناك وعود أنه مع الانطلاق الفعلي للحوار والذي حدث بعقد أول جلسة لمجلس الأمناء، بأن يتم إطلاق سراح عدد كبير يتجاوز الألف سجين من سجناء الرأي والنشطاء السياسيين ممن هم على ذمة الحبس الاحتياطي أو المحكومين، وهو ما لم يحدث، وتم إطلاق سراح أرقام هزيلة لا تتناسب بتاتاً مع عدد السجناء السياسيين في السجون المصرية".

وتساءل: "إذا كان ذلك يحدث في ملف واحد فقط من المفترض أن يتم إنجازه قبل بدء الحوار، وهو ملف السجناء، فماذا سيحدث في باقي الملفات التي تمثل الحوار الوطني الحقيقي، والذي من المفترض أن يستهدف تغيير سياسات وقوانين؟".

من جهته، قال سياسي مصري من المنتمين لـ"الحركة المدنية الديمقراطية"، إن "النظام حتى اللحظة، نفذ كل ما يريده من دون أن يقدّم أي تنازلات حقيقية أو حتى يقدم على أي تحسينات". وأضاف أنه "في الوقت الذي نتحدث فيه عن قوائم العفو الرئاسي وإطلاق سراح المحبوسين احتياطياً، نفاجَأ بعمليات قبض جديدة على أصحاب رأي بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي".

وأكد السياسي المصري أن "هناك نحو 200 شخص ألقي القبض عليهم وتمّ حبسهم احتياطياً على ذمة قضايا رأي منذ إطلاق الرئيس السيسي دعوته للحوار الوطني في حفل الأسرة المصرية، وهذا الرقم بخلاف نحو 15 آخرين تم إعادة تدويرهم في قضايا جديدة بعد صدور قرارات بإخلاء سبيلهم".

كانت هناك وعود لم تتحقق بإطلاق سراح عدد كبير يتجاوز الألف سجين من سجناء الرأي والناشطين السياسيين

وشنّ رئيس حزب "التحالف الشعبي الاشتراكي"، مدحت الزاهد، هجوماً على النظام الحاكم، خلال تعليقه على أحدث قوائم الإفراج عن محبوسين احتياطياً والتي بلغ عددهم فيها 60 سجيناً.

وقال الزاهد في تصريحات صحافية: "للمرة الثانية تخلف مؤسسات الحكم وعودها بشأن إخلاء سبيل سجناء الرأي". وأوضح أنه في المرة الأولى، "وعدت بدفعة كبيرة بمناسبة 30 يونيو، والثانية عندما ادعت التأجيل للعيد". وتابع: "يبدو أن مؤسسات الحكم تخوض الحوار الوطني بطريقة: أنا لا أكذب، ولكني أتجمل"، في إشارة إلى الفيلم المصري الذي أدى دور البطولة فيه الفنان الراحل أحمد زكي.

من جهته، قال عضو مجلس الأمناء، عمرو هاشم ربيع: "كيف نقرأ أخباراً عن القبض على شخصيات أعرفها بشكل شخصي عقب انطلاق الحوار الوطني مباشرة؟". وأضاف أنه "إذا كان المستثمر يخشى من أن يأتي إلى مصر لأسباب سياسية في المقام الأول، فعلينا الإفراج عن جميع المحبوسين في حال أردنا نجاح الحوار الوطني فعلاً".

في السياق، قال مصدر سياسي آخر إنه "فيما خرج أعضاء مجلس أمناء الحوار الوطني، ونصفهم تقريباً مرشحين من معسكر المعارضة، يتبارون في التأكيد على استبعاد فصائل الإسلام السياسي من الحوار، لم يلتفت منهم أحد للمعاناة التي يعانيها الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح داخل محبسه، وهو أحد رموز المعارضة والمرشح الرئاسي السابق".

وتابع السياسي المصري الذي شارك في الجلسات التمهيدية لإطلاق الحوار: "فوجئت ببعض المشاركين في ما يسمى بمهرجان الحوار الوطني يتجنّب ذكر أبو الفتوح، وشخصيات مثل هشام جنينة وزياد العليمي وأحمد دومة، بدعوى عدم إغضاب المسؤولين في جهاز المخابرات العامة، الذين نقلوا بدورهم في أحاديث غير رسمية أن الرئيس السيسي لا يحبهم"، بحد تعبير المصدر.

وأضاف السياسي المصري أنه "بعد الجلسة الأولى لمجلس الأمناء، علمت لماذا تمسّك النظام برفض بعض الأسماء التي طُرحت من جانب المعارضة، فيما قبل بالأسماء الحالية في مجلس الأمناء، وذلك كونه يدرك تماماً أنهم ليسوا ممن يخوضون المعارك، وأن كثيرين منهم كانوا في انتظار فرصة للتقرب من النظام".

يأتي هذا فيما تقدّمت أسرة أبو الفتوح ببلاغ إلى النائب العام المصري حمادة الصاوي مطالبةً بنقله إلى مستشفى السجن على أقل تقدير، بعدما تم رفض كل الطلبات المقدمة لنقله إلى أحد المستشفيات على نفقتهم الخاصة، نظراً لتدهور حالته الصحية وإصابته بأزمتين قلبيتين خلال أسبوع واحد.

وقال المحامي الحقوقي خالد علي، إن أسرة أبو الفتوح "كانت تزوره، وعادت مصدومة من حالته الصحية"، مضيفاً أن "نجله حذيفة عندما خرج من زيارته، شرح لي أن حالته سيئة وأصيب بأزمتين قلبيتين يومي الجمعة والأربعاء الماضيين، فضلاً عن شكواه من سوء المعاملة، فاتفقنا على تقديم بلاغ فوري للنائب العام".

اجتماع مجلس أمناء الحوار: ملاحظات سلبية

وانطلق الأربعاء الماضي، أول اجتماعات ما يسمى بـ"مجلس أمناء الحوار الوطني" الذي دعا إليه السيسي في إبريل الماضي. ونتج عن الاجتماع قرارات قال المجلس إنها صدرت كلها بالإجماع، وهي: "قرار تشكيل مجلس أمناء الحوار الوطني، وقرار إصدار اللائحة المنظمة لعمل المجلس، وقرار إصدار مدونة السلوك والأخلاقيات في الحوار الوطني".

الملاحظة الأولى والتي اعتبرها قانونيون، تحدثوا لـ"العربي الجديد"، "خطأ قانونياً جسيماً"، هي إصدار مجلس أمناء الحوار، قراراً بتشكيل نفسه، ممهوراً بتوقيع المنسق العام للحوار ضياء رشوان. وقالوا إنه "لا يمكن لمجلس ما أن يقرر تشكيل نفسه، والصواب هو أن يصدر قرار تشكيل مجلس الأمناء من إدارة الحوار".

ألقي القبض على نحو 200 شخص وتمّ حبسهم احتياطياً على ذمة قضايا رأي منذ إطلاق السيسي دعوته للحوار

وبحسب مصادر من داخل مجلس الأمناء، فإن عضو المجلس النائب أحمد الشرقاوي، ووزير التموين السابق جودة عبد الخالق، سجلا اعتراضهما على ذلك القرار، وأكدا أنه "يجب أن تتخذه الجهة التي اختارت مجلس الأمناء".

والجدير بالذكر، وهو ما أكدته مصادر لـ"العربي الجديد"، أن المسؤول الأول عن إدارة الحوار، هو مدير المخابرات العامة اللواء عباس كامل، ويعاونه بعض رجال الجهاز.

وأكدت المصادر أن كل المشاورات التمهيدية التي جرت قبل تشكيل مجلس أمناء الحوار، وانعقاد أول اجتماعاته، كانت تتم بين رئيس المخابرات العامة وبين ممثلين عن المعارضة، وأبرزهم المرشح السابق لرئاسة الجمهورية حمدين صباحي والمخرج خالد يوسف. وأضافت أنه "خلال تلك المشاورات، تمّ الاتفاق على قائمة الـ19 اسماً التي يتشكل منها مجلس أمناء الحوار، وبعدها الإعلان من قبل "إدارة الحوار"، التي لا يعلم عنها الشارع المصري شيئاً، عن تشكيل المجلس، وبعدها عقد الاجتماع الأول الأربعاء الماضي، وعلى أساسه قرّر المجلس "تعيين نفسه".

الملاحظة السلبية الأخرى التي أشارت إليها مصادر من داخل مجلس الأمناء، هي قرار مجلس أمناء الحوار، إصدار اللائحة المنظّمة لعمل المجلس واللجان والفعاليات المتفرعة عنه، والذي منح كلا من منسق عام الحوار ضياء رشوان، ورئيس الأمانة الفنية المستشار محمود فوزي، صلاحيات واسعة تسمح لهم بالتحكم في مجريات الحوار. والمعروف أن رشوان وفوزي تم اختيارهما بواسطة عباس كامل شخصياً نظراً لقربهما من الأجهزة الأمنية.