لماذا وقعت "30 يونيو" في مصر؟

21 مايو 2019
+ الخط -
لن تتوقف الأجيال المصرية التي عاشت مرارة انقلاب 3 يوليو 2013 عن محاولة فهم ما حدث، وأسباب فشل انتفاضة يناير 2011، والقوى التي شاركت فيها، والأحداث التي قادت إلى هذا الفشل، وفي مقدمتها مظاهرات 30 يونيو/ حزيران 2013، والتي دعا إليها معارضو جماعة الإخوان المسلمين، واستخدمها الجيش في الانقلاب على تجربة الحكم الديمقراطي. ويسود تفسير أساسي للأحداث، يركز على مواقف الفاعلين الرئيسيين وسياساتهم، وفي مقدمتهم جماعة الإخوان ومعارضوها، خصوصاً بين القوى الثورية والقوات المسلحة. حيث يؤكد أنصار "الإخوان" أنهم تعرّضوا للخيانة، لا سيما من قوى المعارضة المدنية أو العلمانية التي شاركت في انتفاضة يناير، ثم تحالفت مع قوى النظام القديم والمؤسسات الأمنية لإطاحة حكم الرئيس المنتخب محمد مرسي، وتجربة الحكم الديمقراطية نفسها. أما خصوم الجماعة، فيؤكدون أن سياسات "الإخوان" وتحالفهم مع القوى السلفية والجيش بعد يناير هي السبب. حيث يؤكد هؤلاء أن مرسي اعتمد على جماعته في الحكم، وعلى أنه لم يتحلّ بالانفتاح 
الكافي، وعلى أنه سعى إلى التحالف مع العسكر ومؤسسات الدولة، لكي يحافظ على حكمه، أكثر من سعيه إلى التحالف مع شركاء الثورة وتلبية مطالبهم.
وبغض النظر عن مدى تماسك حجج الطرفين، وسعي كل طرف لتبرئة نفسه ولوم الآخر، ما تسعى إليه هذه المقالة هو البحث عن تفسيرات جديدة للأحداث، تخرج من حيز الحديث عن أخطاء الطرفين. فهل ساهمت عوامل أكبر وأكثر رسوخا في خروج المشهد بالشكل المؤسف الذي عاشه المصريون في تلك الفترة، وما زالوا يعانون تبعاته؟ هناك تفسير مفيد وجديد لمظاهرات "30 يونيو"، أورده الباحث في جامعة ستانفورد، هشام سلام، في دراسته "الميراث المؤسسي وسقوط الجمهورية المصرية الثانية"، في كتاب "مصر وتناقضات الليبرالية"، والصادر عن مطابع وانوارلد البريطانية (2017). أهم ما يميز الدراسة تبنّيها المنظور البنيوي أداةً لتفسير أسباب عجز جماعة الإخوان والقوى العلمانية أو المدنية عن التحالف بعد الثورة، وكيف تدهورت العلاقة بينهما إلى درجة الوصول إلى مشهد "30 يونيو". يكتب سلام أن سياسات الإخوان المسلمين والقوى المدنية بعد انتفاضة يناير لم تكن حتمية أو وليدة اللحظة، فقد وقع الطرفان في أخطاء، ولكنها كانت نتاج عقود من الخبرات السياسية المتراكمة في ذاكرة الطرفين، أدت، في النهاية، إلى فشل التحالف بينهما أو لاستحالته.
في الخمسينيات، حلّ الرئيس جمال عبد الناصر الأحزاب السياسية، وقمع جماعة الإخوان، وأمّم الحياة السياسية وقمع معارضيه، وبذلك قضى على كثير من مقومات الحراك السياسي الذي عاشته مصر قبل 1952. ونظرا إلى تبنّي عبد الناصر تدريجيا الاشتراكية ونظام الحزب الواحد، فقد سعى إلى تأميم الحركات الاشتراكية والشيوعية النشطة في ذلك الحين، لصالح حزب الدولة الحاكم، بضم قادة تلك الحركات إلى حزبه، وقمع من رفضوا وفضّلوا البقاء في المعارضة، في حين أبقى عبد الناصر قادة "الإخوان" في السجون، وأعدم عددا منهم.
وبهذا، بدأ عبدالناصر ديناميكية سياسية مهمة في تاريخ مصر الحديث، بحسب الدراسة، وهي 
فكرة الأحزاب الشرعية في مقابل الجماعات المحظورة. فمنذ ذلك الحين، انقسمت القوى المعارضة في مصر إلى فئتين: الأحزاب والقوى والقيادات السياسية التي قبلت العمل داخل النظام الرسمي، وسمح لها النظام بذلك، كبعض القوى الاشتراكية والشيوعية والليبرالية. والأحزاب والقوى التي لم يسمح لها النظام بالتأسيس القانوني، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين. وقد منح التأسيس القانوني الأحزاب والقيادات التي حصلت عليه فرصة العمل في العلن، وافتتاح مقرّات للأحزاب، ونشر صحف وجمع التبرعات، ولكنه أبقى تلك الأحزاب تحت مطرقة النظام، بقوانينه وأجهزته الأمنية، وحدّ تدريجيا من قدرتها على التواصل الجماهيري، لأنها باتت تعمل ضمن أطر النظام المصمّمة لإفقادها الفعالية. أما القوى غير الشرعية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، فقد سمح لها الرئيس أنور السادات بالعودة إلى العمل، وأخرج قادتها من السجون في السبعينيات لمواجهة نفوذ القوى الشيوعية والاشتراكية، لكنها ظلت غير شرعية، لا يسمح لها بتأسيس حزب سياسي. ونظرا إلى عدم قانونيتها، ظلت سرّية مغلقة، تعمل نسبيا بعيدا عن عيون النظام، ما ساعدها على الانتشار الجماهيري.
ويكتب سلام أن الأحزاب والقيادات الاشتراكية التي قبلت بالانضمام إلى الاتحاد الاشتراكي، وتنظيمه الطليعي، خلال حكم عبد الناصر، ثم انضمت إلى أحزابٍ كالتجمع الوطني الوحدوي التقدمي، خلال حكمي السادات ومبارك، تحوّلت، بمرور الوقت، إلى نخب مقرّبة من الدولة، أو تعارض ضمن خطوطها الحمراء، ما أفقدها القدرة على الانتشار الجماهيري. أما "الإخوان"، فقد استفادوا من الدعم الكبير الذي منحه السادات للحركات الدينية في الجامعات في السبعينيات، من أجل مواجهة نفوذ الشيوعيين. ولما أخرج قادتهم من السجون، وجدوا جيلا جديدا من الشباب المتديّن الفاعل (يمثله قادة مثل عبد المنعم أبو الفتوح) منحوا الجماعة قبلة حياة ثانية، بعد أن عانت من انقطاع جيلي خلال حكم عبدالناصر. وبمرور الوقت، تعرّض "الإخوان" لبعض التضييق في عهد مبارك، ولكنهم ظلوا جزءا من معادلة النظام، يعملون في مساحةٍ غير رسمية عرضةً للاعتقال والتنكيل، لكنها تتمتع بقدر من الاستقلالية والجماهيرية أكبر بكثير مما تمتعت به القوى اليسارية والليبرالية التي سمح لها السادات ومبارك بالعمل الرسمي.
ولما قامت انتفاضة يناير في 2011، وجدت القوى اليسارية والليبرالية نفسها في وضع جماهيري لا تُحسد عليه، في مواجهة الإخوان والسلفيين الذين سيطروا على مختلف الانتخابات التي عقدت، وهو ما أشعر القوى اليسارية والليبرالية بأنها لا تمتلك أي فرصةٍ فعليةٍ للوصول إلى الحكم، وأنها سوف تبقى في المعارضة إلى الأبد. وحكم الاختلال الكبير والبنيوي في موازين القوى السياسية بين التيار الديني وخصومه من القوى اليسارية والليبرالية على أي محاولةٍ للتوافق بينهما بالفشل. لأنه لم يكن اتفاقا بين قوى متكافئة، أو اتفاقا من شأنه أن يؤدي فعليا إلى تبادل السلطة عن طريق الانتخابات. وهو عامل لعب دورا رئيسيا في تحالف تلك القوى أو بعضها مع الجيش في الانقلاب على تجربة الحكم الديمقراطي، والسعي إلى تأسيس تجربةٍ أخرى، تسمح لها بالوصول إلى السلطة، وهي التجربة التي ثبتت استحالتها أيضا.
وتفيد دراسات التحول الديمقراطي بأن توافق قوى التغيير على تبادل السلطة عن طريق 
الانتخابات، ووحدتها في مواجهة قوى النظام القديم، ضرورة أساسية لمنع الانقلابات العسكرية. وفي مصر، عجزت قوى يناير عن التوافق. وقد يرى بعضهم أن هذا العجز نابع من أخطاء ارتكبها "الإخوان" أو القوى المدنية. ولكن التفسير البنيوي يقول إن عوامل هيكلية وتاريخية أقدم وأكبر ساهمت في اختلال موازين القوى السياسية بشكل هائل ضد القوى اليسارية والليبرالية، ما جعل التوافق بينهم مستحيلا. وهذا يعني أن بنية النظام السياسي المصري تفرض على معارضيه ظروفا قاسية وغير صحية، فالعمل الشرعي داخل النظام، والالتزام بخطوطه الحمر، حوّلا القوى اليسارية والليبرالية إلى قوى شبه رسمية أو نخبوية معزولة جماهيريا. والعمل خارج أطر النظام الشرعية حوّل الإخوان المسلمين إلى جماعة سرية منغلقة، على الرغم من نفوذها الجماهيري. وفي النهاية، عجز الطرفان عن التوافق المطلوب لمواجهة نفوذ النظام القديم.
ولعل تغير الظروف، كانتشار وسائل تكنولوجيا حديثة تسهل من عملية التواصل، والتعلم من تجارب الماضي، من شأنه مساعدة قوى المعارضة المصرية الراهنة، باختلاف توجهاتها، على تحقيق التوازن بين متطلباتٍ، كالسرّية والانغلاق للهروب من القبضة الأمنية من ناحية، والانفتاح على القوى والأفكار السياسية المختلفة من ناحية أخرى، والنظر إلى التوافق السياسي باعتباره ضرورةً وليس رفاهية، والتركيز على العمل الجماهيري، بدلا من إهدار المستقبل في السعي إلى العمل ضمن أطر النظام الحالي الذي يبدو أكثر عداء للقوى السياسية، بمختلف أنواعها.