واشنطن والنفخ في الموتى

واشنطن والنفخ في الموتى

17 ديسمبر 2021
+ الخط -

اجتمع مسؤولون أميركيون وفلسطينيون رفيعو المستوى، الثلاثاء الماضي، لتجديد الحوار الاقتصادي الأميركي الفلسطيني. بماذا عساه يُعلق المواطن الفلسطيني عند قراءة هذا الخبر أو سماعه؟ هل يفرح بانفراجةٍ تُفتح في أفق العلاقات الأميركية الفلسطينية، بعد أن ظل هذا الباب موصداً خمس سنوات؟ أم يلطم الفلسطيني على حاله وقد جعلته الإدارات الأميركية المتعاقبة فأر تجارب تكرّرها تحت الشروط والظروف نفسها، مع توقع كل إدارة نتائج مختلفة. الأكيد أن الفلسطيني لن يأخذ هذه الاجتماعات على محمل الجَد، بل سيسخر أكثر عندما يقرأ تأكيد مساعدة وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى، يائيل لمبرت، خلال الملاحظات الافتتاحية للاجتماع، على أن "نمو الاقتصاد الفلسطيني سيلعب أيضًا دورًا حاسمًا في دفع هدفنا السياسي الشامل: حلّ الدولتين المتفاوض عليه، وقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة تعيش جنبًا إلى جنب بسلام وأمن مع إسرائيل"، ذلك أن الفلسطيني سمع هذه الأسطوانة المشروخة من قبل، ولم يحصُد من قائليها أو من مروّجيها تحت يافطة "السلام الاقتصادي" إلا الريح.

أعلن وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، في 25 مايو/ أيار 2013، أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في البحر الميت (الأردن) خطة اقتصادية لانتشال العملية السلمية من قبرها واستئناف المفاوضات بين الجانبين، الفلسطيني والإسرائيلي، بدون شروط مسبقة، وقدّم خطته بوصفها ستؤدّي إلى جانب المسارين، الأمني والسياسي، إلى انفراجات جدّية وملموسة. ولم يكن خافياً أن خطة كيري الاقتصادية مقتبسة بالنص والروح من أدبيات الرؤية الإسرائيلية للسلام، كما وردت حرفياً في كتاب "الشرق الأوسط الجديد" الذي أصدره وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك، شمعون بيريس، بالتزامن مع انعقاد مؤتمر مدريد للسلام خريف 1993، ثم تولّى نائبه يوسي بيلين تروي. وقتذاك، توقع بيريس ولادة شرق أوسط جديد تسوده الرفاهية والازدهار وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي تحت شعار عملية السلام والتعاون الاقتصادي في إطار مشروع بناء إقليمي جديد. وأعاد جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، اجترار الحديث عن السلام الاقتصادي في يونيو/حزيران 2019 خلال ورشة عمل في المنامة، واعتبر أن "التوافق حول مسار اقتصادي شرط مسبق ضروري لحل المسائل السياسية التي لم يتم إيجاد حل لها".

يتطلّع الفلسطيني إلى العيش والازدهار والسلام، كما دعت يائيل لمبرت، ولكنه لا يَنتظر أي خير من اجترار الأمنيات والوعود ذاتها من دون تغيير الشروط والظروف، فمن الغباء أن يُكرّر المرء التجربة ذاتها تحت الظروف والشروط نفسها ثم يتوقع نتائج مختلفة. والأكيد أن النتائج ستكون أسوأ في حالة "التجريب" الفلسطيني، ذلك أن الوقائع والظروف في الأراضي الفلسطينية المحتلة باتت أسوأ مما كانت عليه زمن خطة كيري، وأسوأ مرات ومرات مما كانت عليه زمن مؤتمر مدريد، فقد أحكم الاحتلال سيطرته على المناطق المسمّاة "ج" في الضفة الغربية، فيما أفضت سياسة الاستيطان والاستلاب الإسرائيلية، المتواصلة منذ العام 1967، إلى قضم زهاء 80% من مساحة الضفة الغربية المحتلة، موزّعة ما بين أراضٍ مصادرة لصالح التوسّع الاستيطاني، وأخرى بذريعة محمياتٍ طبيعيةٍ أو احتياجاتٍ عسكرية، فضلاً عن الأراضي التي تخصّص لشوارع المستوطنين الالتفافية والأراضي التي ابتلعها جدار الفصل العنصري، وما تسمّى "أملاك الدولة".

لا تفسير لاستئناف الاجتماعات الأميركية الفلسطينية، إلا رغبة واشنطن في إنقاذ السلطة الفلسطينية التي سبق لمساعد وزير الخارجية الأميركي، هادي عمرو، وصفها بأنها "غابة جافّة تنتظر أن يشتعل شيئا ما". وفي المقابل، لهفة السلطة الفلسطينية لأي "حركشة" أميركية من باب "ليس المهم أن تنتقل من فشل إلى فشل آخر، ولكن الأهم أنك تتحرّك"، بتعبير الزعيم البريطاني ونستون تشرشل. لذلك، يتلقى المواطن الفلسطيني أخبار هذه الاجتماعات بسقف توقعاتٍ واطئ جداً، داعياً "الله يُسترنا"، فمن يجرّب المجرّب عقله مُخرّب". ومن الغباء توقع الكثير من الإدارة الأميركية، وهي تجترّ الفشل وتنفخ في الموتى.