من الضيق إلى المضيق

من الضيق إلى المضيق

04 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

من العبث فهم سرّ الحمّى التي ضربت أطناب العالم، في حادثة جنوح السفينة البنمية العملاقة "إيفرغيفن" في قناة السويس، ما لم نقرنه بالعدوان الثلاثي على مصر في خمسينيات القرن الماضي إبّان جمال عبد الناصر، ففي الحالين كان ثمّة "جنوح" دولي، وإن اختلفت المقدّمات والنتائج. لكن في كلتيهما كانت قناة السويس هي فيروس الحمّى التي نزّ عرقها من جبين سادة العالم "الحرّ". ربما يحسب لعبد الناصر أنه كان أول زعيم عربي يعيد الاعتبار إلى ثروة عربية مدفونة في قاع المضائق البحرية الممتدة من جبل طارق إلى باب المندب، عندما أمّم قناة السويس من بقايا مخالب الاستعمار البريطاني على مصر، فأجّج ثائرة بريطانيا وفرنسا وتابعتهما إسرائيل، ما دفع الدول الثلاث إلى تشكيل أول حلف ثلاثي ضدّ الآمال العربية بالسيطرة على ثرواتها، وكان ما كان عقب فشل العدوان جرّاء التدخل الأميركي الذي لم يجئ من أجل سواد عيون العرب، بل لقطع الطريق على النفوذ الإمبراطوري البريطاني، المُؤذن بالانهيار.

آنذاك، حبست الدول عابرة المحيطات أنفاسها عندما شعرت بتهديد جديّ يقوده عبد الناصر على واحدٍ من أهمّ المضائق البحرية العالمية الذي تحتاجه لديمومة هيمنتها التجارية على قارّات العالم، مع أن عبد الناصر لم يكن يعتزم إغلاق المضيق، بل استعادة ثروة نهبتها الشركات الإنجليزية التي تسيطر على قناة السويس هدفا معلنا لا غبار عليه، على اعتبار أن من حق الدول فرض سيادتها على مياهها الدولية. وفي المقابل كان يسعى إلى هدف سياسي، قوامه استعادة الاعتبار العربي، وتشكيل نواة لإرادة عربية جامعة تخرج من ضيقها عبر هذا المضيق الصغير. وهو ما أدركه الغرب مبكّرًا، فسعوا إلى إجهاض هذا الحلم بكل الوسائل الممكنة، بما في ذلك اتهام نظام عبد الناصر بتهديد حرية الملاحة.

ومع جنوح الأمة في مضيق نكسة حزيران 1967، ثم رحيل عبد الناصر بعدها بثلاث سنوات، انكفأ العرب مجدّدًا عن التفكير بثرواتهم ومواردهم التي باتوا يرونها تتسلل من مضائقهم وأرضهم وحقول نفطهم إلى أيدي عصابات النهب، ليعاد تدويرها فيشترونها بأبخس مما باعوها. واليوم تجيء حادثة السفينة التي جنحت في قناة السويس، لتعيد التذكير بثروةٍ عربيةٍ لم يستطع العرب إدارتها بما يخدم مصالحهم، لكنها كشفت عمّا يعنيه هذا المضيق للعالم الذي أعلن ما يشبه حالة الطوارئ لإزالة الخثرة التي علقت في شريان السويس، فأصبح يتسابق لعرض خدماته ومساعداته في تعويم السفينة العالقة في حلقه، ويبدي استعداده لإرسال شركاته المتخصصة وخبرائه الألمعيين، واضعًا أكداس خبراته كلها بين أيدي المسؤولين المصريين.

في الحادثة الجديدة، أوشك العالم أيضًا أن يشكل "تحالفًا" من أجل عيون قناة السويس، ولكن تحت هدفٍ لا يختلف كثيرًا عن أهداف التحالف العسكري السابق، وإنْ لم يأت هذه المرّة مدجّجًا بالسلاح بل بالخبراء، ليثبت للعالم أن العرب لا يحسنون إدارة هذا الشريان الحيوي. وفي ذلك بعض الصحة لدولةٍ يفترض أنها تدير هذه القناة منذ تأميم القناة قبل نحو ثلاثة أرباع القرن، ثم تجيء حادثة تصادم قطارين في سوهاج المصرية قبل أيام، لتكرّس الدعاوى الغربية أيضًا عن دولة لا تحسن إدارة شبكات سككها الحديدية حتى، فكيف بمضائقها البحرية.

لا أدري إذا كان لزاما علينا أن نأسى لجنوح السفينة "إيفرغيفن" في قناة السويس، باعتبارها حادثة مأساوية كبدت مصر والعالم خسائر فادحة، وهذا ما يخامرنا حقًّا إذ لا شماتة في مثل هذه الخسارات، لكننا من جانب آخر نأمل أن يعيد هذا الجنوح تذكيرنا بحجم الثروات الهائلة التي يمكننا من خلالها أن نفرض احترامنا على عالمٍ لم يعد يرانا أزيد من سفينة صدئة جانحة في صحاري الذلّ والتبعية، لعلنا نعبر من الضيق إلى مضيقٍ نكتشف من خلاله حجم قاماتنا الحقيقي.