مساوئ وجود دولة في لبنان

17 أكتوبر 2020
الصورة

لم تكن الأزمات المالية التي شهدتها الولايات المتحدة والعالم في العقدين الماضيين سوى نموذج عن كيفية استغلال مصارف ومصرفيين ونظام سياسي وسياسيين القوانين التي ترعى العمليات المالية. أفضى هذا الاستغلال إلى سرقة قانونية لأموال المودعين أو رهوناتهم العقارية. بدءاً من الاستثمارات على أسهم الإنترنت في عام 2000، مروراً بأزمة 2008، وصولاً إلى أزمة إدراج أسهم شركات صينية وهمية في البورصة الأميركية. حاولت السلطات الأميركية محاسبة المتورّطين، لكن العقوبات بدت ضئيلة، لأن القوانين، بحدّ ذاتها، بحاجة إلى تعديلات جذرية، وهو ما تفعله واشنطن تحت ستار "حماية الاقتصاد الحرّ".

من الولايات المتحدة إلى لبنان يتكرّر الأمر. مجموعة من المصرفيين والسياسيين ورجال الأعمال وأمراء الحرب ورجال الدين والقانونيين وغيرهم يقومون بالأمر عينه: استغلال القوانين المالية والتحايل عليها، وخرقها في أحيانٍ كثيرة من دون رادع سياسي أو قانوني يوقفهم عند حدّهم. هؤلاء أنفسهم سارعوا إلى نقل أموالهم إلى خارج لبنان بكمية هائلة، من دون خوفٍ من محاسبة، فكل شيء تحت سيطرتهم، من سلطات سياسية وقضائية ودينية واقتصادية. باسم "الاقتصاد الحرّ" فرضوا الأمر الواقع على اللبنانيين، فارتفعت الأسعار وبات الدولار موازياً لستة أسعار صرف لبنانية على الأقلّ. 

بلغ التهريب أوجَه إلى سورية للتحايل على "قانون قيصر"، والأدوية تُفقد في الصيدليات، ومظلوميات الطوائف مثالية إلى درجة أنها لا تفهم أوجاع الناس. ذلك كله، والمجلس النيابي غائب عن السمع، والحكومة أسيرة "لعب ولاد" تقليدية، ورئاسة الجمهورية تعتبر ألا صلاحية لها في إدارة البلاد. لم نسمع أن أحداً من هؤلاء طلب التخلي عن راتبه وامتيازاته من وقود وهواتف وكهرباء، من أجل الناخبين المفترضين. لم يُحَاسَب وزير واحد في انفجار مرفأ بيروت، الذي وقع في 4 أغسطس/ آب الماضي.

المفترض أن ذلك يعني أمورا كثيرة، ربما من حظ اللبنانيين والمقيمين في لبنان، أننا لا نراها بوضوح، بحكم انخراطنا في قلب الأزمة. روما من فوق غير روما من تحت. لم يحصل قط أن وصلت البلاد إلى هذا النوع من التدهور، والأسوأ أن الأخلاقيات فُقدت تماماً. قيل إن مستودعات وتجّاراً يحتجزون المواد الغذائية والأدوية، بغية ضخّها إلى السوق، حين يُرفع الدعم عن النفط والدواء والقمح. الدولة تعلم ذلك، وبدلاً من إرسال القوى الأمنية، مثلاً، لمداهمة هذه المستودعات وتوزيع المواد على الناس، ماذا اختارت؟ اختارت أن تشتكي مثلنا. أي إنهم يتلقون رواتبهم فقط للشكوى، من دون الإقدام على شيء.

لا يكفي هذا، بل اختارت السلطة أسوأ توقيت للتفاوض مع الإسرائيلي على الحدود البحرية، وعملت أفواج السلطة على تسويق "البطولة الوهمية" في جلسة التفاوض، سواء لناحية التقاط الصور أم لا. غاب عن بال هذه السلطة أن المفاوضات ستدوم وقتاً طويلاً، وحين تنتهي ويبدأ التنقيب ثم عملية البيع، أي ليس قبل نحو سبع سنوات أو ثمانٍ أقلّه، يكون لبنان قد وصل إلى مرحلة بداية نهاية استخدام الطاقة النفطية والغازية في العالم، بحكم تنامي الطاقة المتجدّدة في الكوكب مستقبلاً. حينها سيكون السوق محدوداً، والأطراف القوية، من روسيا وإيران وتركيا وقطر ومنتدى شرق المتوسط وغيرها، لن تترك مجالاً لانخراط منافسين جدد. بالتالي، سيكون التنقيب عن الغاز مقامرة خطرة، بينما الأفضل أن يتحوّل لبنان نحو استكشاف سبل الطاقة المتجدّدة، انطلاقاً من ثابتة تمتع البلاد بـ300 يوم مشمس في السنة على الأقل، فضلاً عن أن طبيعة لبنان الجبلية تتيح له استخدام موارد الرياح لتوليد الطاقة، وكذلك في وسعه تحلية مياه البحر، طالما أن 80% من اللبنانيين مقيمون في الساحل. 

حتى ذلك الحين، سنبقى في روتين قاتل، وستبقى الحروب الوهمية على وسائل التواصل الاجتماعي، حتى تأتي لحظة ما تبدّل هذا المسار المميت. لذلك، إن استطعتم، خزّنوا قدر ما تشاءون من أساسياتكم.