مراكب الموت اللبنانية مسؤولية من؟

مراكب الموت اللبنانية مسؤولية من؟

25 سبتمبر 2022
+ الخط -

قالت مساعدة وزير الخارجية الأميركي باربارا ليف، لشبكة سكاي نيوز عربية، إن "الدولة اللبنانية ينخرها الفساد". ودعت وزيرة الخارجية الفرنسية كاثرين كولونا، في مؤتمر صحافي في نيويورك، "المسؤولين في لبنان كي يتصرّفوا بمسؤولية وكي يستجيبوا لطلب اللبنانيين". تتلاقى الدعوة الفرنسية مع التوصيف الأميركي، ليؤكّدا أن أبطال الفساد في لبنان هم المسؤولون الذين عاثوا فسادًا ونهبًا، فأوصلوا لبنان إلى قعر جهنم. البلد الذي يعاني أهله ما يعانونه من فقر وبطالة وتهميش وحجز قسري بسبب عدم إعطائهم جوازات السفر، دفعتهم هذه المعطيات إلى اختيار طريق الموت من خلال الرحيل عبر مراكب غير شرعية، غير مجهّزة، متمسّكين بخيوط أملٍ قد تنقلهم إلى ما هو أفضل لهم.

يحدُث هذا كله في عتمة الليل من موانئ طرابلس، المنطقة التي تعد الأفقر في مناطق لبنان. بينما، في وضح النهار، هناك مسؤولون يتراشقون الاتهامات ويرمون المسؤوليات عن أسباب موت المواطنين بعضهم على بعض، وهم يحيطون أنفسهم بهالةٍ من القداسة، مبرّرين، ومتحكّمين بالسلطة القضائية، كي يبقوا خارج المحاسبة.

أمام مشهدية تقاذف التهم بين المسؤولين، وعدم اكتراثهم بوضع الخطط الإنقاذية، يستغل تاجر الموت معاناة اللبناني، ليصنع مركبا من العدم، يملؤه من البشر فوق طاقة الاستيعاب، ويُبحر به في عتمات الليل، تاركًا الناس لمصيرهم في قعر البحار، ويهرب متنكرًا لما قد يبتلع البحر من أعداد البشر.

هي الكارثة الثانية في غضون أشهر قليلة، مركب هجرة غير شرعية جديد يغرق أمام السواحل السورية بعد انطلاقه من لبنان، لتحلّ الكارثة على لبنان، فأكثر من 80 ضحية وعشرات المفقودين هي الحصيلة. وحجم المصيبة قد يتضاعف مع غياب الآمال بإيجاد مفقدوين على قيد الحياة. لن يكون هذا المركب الأخير، ولن تكون الكارثة الأخيرة، بل ستنطلق عشرات المراكب في الأيام المقبلة، والسيناريو مرشّح لأن يتكرّر مع كل قارب يبحر. إذ يفضل المهاجرون غير الشرعيين خطر البحر والموت على البقاء في "جهنم" التي سلبتهم الحد الأدنى من حقوقهم.

"دولة رخوة" في لبنان صنعتها منظومات قضائية وعسكرية ووظيفية كلها مجنّدة لتُبعد عنهم الحساب

قد يكون اللبناني فقد الأمل في بناء دولة تستطيع أن تؤمن له الحدّ الأدنى من مستوى حياة كريمة لطالما حلم بها، لهذا يختار تحدّي الموت في عمق البحار، علّه يصل إلى شواطئ بلادٍ تؤمن بأن للإنسان كرامة، وهمّ مسؤوليها الأوحد وضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية لصالح مواطنيهم.

لا حدود لفشل المسؤول في لبنان، ولتفنّنه في التهرّب من تطبيق القوانين التي تحاسب مرتكبي الجرائم المالية التي أفلست هذا البلد. في هذا السياق، وجّه وفد صندوق النقد الدولي صفعة قوية إلى المسؤولين في لبنان، لم يتوقعوها، فخلال السنوات الماضية، عاش اللبنانيون على "معزوفة" يوميةٍ قوامها العمل على إتمام الاتفاق مع الصندوق المذكور، لكنّ الوفد كشف المستور ووضع الملامة على مجلس النواب والحكومة، متهمًا إياهما بالتأخّر في إتمام الاصلاحات المالية المطلوبة.

قال رئيس الوفد أرنستو راميرز، صراحة، خلال زيارته قصر بعبدا أخيرا، إن "الغموض الذي ساد على مستوى السلطتين، التنفيذية والتشريعية، لا سيما لجهة القيام بما يلزم من إصلاحات للنهوض بالاقتصاد اللبناني، خصوصًا أن كل تأخير يؤدّي إلى خسارة لبنان، وقتًا ونتائج". أضاء أرنستو على حقيقة طالما حاول المسؤول إنكارها، مرتكزين على "دولةٍ رخوة"، صنعتها منظومات قضائية وعسكرية ووظيفية كلها مجنّدة لتُبعد عنهم الحساب. إنها الدولة التي لم تعد تؤمن بحقوق مواطنيها، بقدر ما تؤمن باستمرارية بقاء زعيمها في السلطة.

لهذا، قد يكون الحصار الغربي على لبنان، وامتناع دولٍ عربيةٍ عن تقديم مساعداتٍ له، سببين في تفاعل الأزمة. وقد يكون للدور السلبي لحزب الله وتموضعه في محور "الممانعة" الذي تديره إيران ارتدادات سلبية على الوضع العام في لبنان، لكن الأكيد أن المسؤولية تقع، بالدرجة الأولى، على هذا المسؤول الذي يأبى أن يحرّر الدولة ومؤسّساتها من سطوة الفساد الذي نخر فيها.

لا حدود لفشل المسؤول في لبنان، ولتفنّنه في التهرّب من تطبيق القوانين

كوارث بحجم مراكب الموت، وبحجم انفجار مرفأ بيروت، وبحجم الانهيار الاقتصادي، أقلّ ما تفعله أنها تدفع المسؤول إلى أن يتفادى الفراغ الوزاري الحاصل، ويسعى إلى تجنّب حدوث فراغ رئاسي مرتقب بعد الـ31 من الشهر المقبل (أكتوبر/ تشرين الأول) عند انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون. لكن هذا ما لا يحدُث، حيث التنافس على الحصص الوزارية، والصراع على كرسي الرئاسة، لم يزالا عناوين الصفحات الأولى من الصحف في لبنان. ليس هذا وحسب، بل يدفع دولا غربية وإقليمية إلى التدخّل في الشأن اللبناني، كي تفرض رئيسًا يتموضع مع مشاريعهم في المنطقة، بدل أن يفرض المسؤول على تدخلاتهم، كي تكون لصالح دعم لبنان وإخراجه من أزماته.

"مراكب الموت" ستزداد، ومشاهد الجثث العائمة قد نشاهدها تتكرّر وسط حزن كبير وبكاء على المفقودين، طالما أن المسؤول لم يزل خارج إطار المحاسبة، وطالما الدولة عاجزة عمدًا عن السير بالإصلاحات كي يقدّم صندوق النقد مساعدات مالية، وطالما حزب الله مصرٌّ على التموضع في محاور أنهكت لبنان وأبعدته عن لعب دور التلاقي والانفتاح على جميع الدول باستثناء العدو الإسرائيلي.