محاكمة 23 يوليو

محاكمة 23 يوليو

26 يوليو 2021
الصورة

عبد الناصر وإلى يساره محمد نجيب في دعوتهما إلى الاحتفال بثورة يوليو (1/1/1953/Getty)

+ الخط -

إنّه موسم محاكمة "23 يوليو" في مصر، إذ ينشب سنوياً جدال حاد بين أنصار يوليو (الناصريين منهم خصوصاً) ومنتقدي التركة الثقيلة التي خلفتها دولة يوليو، وما زالت بصمتها حاضرة. لا يمكن إنكار أنّ "23 يوليو" محطة فاصلة في تاريخ مصر المعاصر، إلّا أنّ آفة العرب عند مراجعة التاريخ وتقييم الأحداث هي التعميم والشخصنة. فإما هو نظام مثالي كما لو كان مُنَزَّلاً من عند الله، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أو شرّ مُطلق ورجسٌ من عمل الشيطان.
هناك طرائق ومناهج لقراءة التاريخ وتقييمه. ونقطة البدء أنّ كلّ حدث ابن عصره ووليد سياقه، ولا يمكن تقييمه بمقاييس أو مفاهيم ومبادئ عصر آخر سابق أو لاحق. صحيحٌ أنّ الأمور تقاس بنتائجها، وليست فقط بمفاعيلها الآنية، وهو ما يستلزم زمناً تتبلور خلاله النتائج، فالثورة الفرنسية استغرقت بضع عشرات من السنين، قبل أن يتبلور تأثيرها وتتشكل نتائجها العميقة المشهودة حالياً. لكن، تظلّ دائماً البوصلة الموضوعية في محاكمة التاريخ هي قياس ما تحقق على ما كان مستهدفاً، ورصد أيّ تداعياتٍ أخرى لم تكن متوقعة. ولإثراء عملية التقييم والمراجعة، يتم استدعاء أيّ مدخلاتٍ مصاحبة أو أحداث زامنت الفترة محل التقييم، وكذلك شهادات أطرافها ومعاصريها. وعلى الرغم من أنّ تلك الشهادات والسير قد لا تكون محايدة، فإنّها أيضاً تقدّم معلومات وتفسيرات لأحداث قد لا تتكشف أبعادها من دون ما حكاه عنها أصحابها، أو من كانوا طرفاً فيها ولو بشكل غير مباشر.
في ما يتعلق بمصر تحت حكم عبد الناصر، كشفت شهادات أفراد من نخبة الحكم وقتها عن تفاصيل وملابسات أحداث مهمة، ولولا تلك الشهادات لظلت خفية إلى الأبد، منها مثلاً الكتاب الشهير لعضو مجلس قيادة الثورة، خالد محيي الدين، الذي تضمن وقائع شديدة الخطورة عن تورّط عبد الناصر في ترتيب بعض الأحداث والعمليات، بغرض تخويف المصريين من غياب الأمن ونزع أي تفكير في المطالبة بالديمقراطية من العقل الجمعي. واللافت أنّ محيي الدين لم يكن وحده الذي كشف علناً عن هذا المنحى في طريقة عبد الناصر في الحكم وإدراكه كيفية تطويع إرادة المصريين، فقد روى آخرون ممن كانوا في مطبخ الحكم وقتئذ الوقائع نفسها بالتفاصيل ذاتها، منهم كمال الدين حسين، وعبد اللطيف بغدادي، وغيرهما.
تلك هي المعضلة الرئيسة التي تواجه أيّ تقييم موضوعي لمصر في عهد عبد الناصر أو "نظام يوليو" وهي غياب الأساس العلمي وافتقاد المنهجية التاريخية. وهي معضلة ظلت قائمة خلال عهدي أنور السادات، وحسني مبارك، قبل أن تضاف إليها صعوبة أخرى في العهد الحالي. وهي التشويش والالتباس بين النظام الحالي الذي يقتدي بل يستنسخ "نظام يوليو" والنسخة الأصلية منه. ويزيد التشويش ضبابية أنّ كلّاً من "أنصار يوليو" وخصومه يعتبرون النظام الحالي امتداداً له، بإيجابياته عند هؤلاء وسلبياته لدى أولئك، فيما النظام نفسه يرسل إشاراتٍ متضاربة، تؤكد تارّة انتماءه وولاءه لـ"دولة يوليو" وأنه خرج من عباءتها، وتارّة أخرى تنفي هذا الانتماء تماماً. وبغض النظر عن استحضار النظام الحالي بالفعل عقل "نظام يوليو" واستلهام روحه، فإنّ أيّ محاولة لتقييم "23 يوليو" بعد 69 عاماً، سرعان ما تختلط وتتأثر بالوضع الراهن والانطباعات السائدة عنه بوجهيها الإيجابي والسلبي.
ويصبح المشهد ليس فقط بعيداً عن أيّ تقييم موضوعي، بل يبتعد حتى عن إحياء "يوليو" وتمجيدها، فيتحوّل إلى سلسلة من التمجيد والمديح في ما هو قائم، والمبالغة في ما هو مزعوم، استناداً إلى تصوّرات ووعود "يوليو" وشعاراتها. والمضحك المبكي أنّ تلك الوعود المتشابهة التي يعاد إنتاجها، ويتشدق بها حواريو النظام الحالي، لم يحقق "نظام يوليو" نفسه أيّاً منها.