لبنان: نهاية تعيسة

06 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

ينظران إلى بعضهما بعضاً بحدّة تسبق الانفجار. يلمس أحدهما الآخر عمداً، أو من دون قصد، وكأن شرارة المعركة انطلقت. يشتبكان بعنف وسط تدفق آخرين للمشاركة في النزاع أو لوقفه. لا يتعلق الأمر بصدام دولتين أو حزبين سياسيين، ولا بجماهير كرة القدم، ولا حتى اشتباك اعتيادي في "بلاك فرايداي". إنه القتال في المتاجر اللبنانية على علبة حليبٍ وكيس عدس وغالون زيت. ما بدأ كأنه حلم منذ عامين، مع تظاهرات 17 تشرين الأول (2019)، للانخراط في بناء دولة فعلية تنبذ الفساد والهدر والمحاباة، وتحمي أبناءها من الهجرة أو انتظار الموت في لبنان، تحوّل إلى كابوس قبيح، يُطبق على ما تبقّى من أمل في الانتصار لكل الناس، لا لحفنةٍ من السياسيين وأزلامهم. إنه لبنان، ينحدر إلى مستوياتٍ غير مسبوقة. الوطن الذي تحوّل عبر تاريخه إلى ملاذٍ لكل من هرب إليه شرقاً وغرباً، بات أقرب إلى مقبرةٍ جماعية. أهلاً بكم في بيروت.

علم الاجتماع اللبناني يتغيّر. التكيّف في ظلّ عشوائيةٍ مكثّفة تُدرّس. أجيال الحرب اللبنانية (1975 ـ 1990) وما بعدها، باستثناء جيل "زي" (جيل الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي)، مسكونون بلاوعيٍ يصنع حدوداً تُلزمهم بعدم تطوير أي حراكٍ إلى مستوياتٍ عنفية، على الرغم من توقهم، في وعيهم، إلى تغيير المسار. الحرب في ذاكرتهم، شنيعة ومدمّرة. تراهم يطالبون بتطهير لبنان، لكنهم لا يريدون الوصول إلى حدّ العنف الثوري. المرة الأخيرة التي استُخدم فيها العنف بالنسبة إليهم كانت في حرب لبنان، التي دفع ثمنها الأبرياء بفعل غياب المصارحة والمصالحة، وتمّ تسليم البلد، في نهاية الحرب، إلى السوريين والسعوديين برعاية أميركية، وفي الداخل إلى الرباعي: أمراء الحرب ـ رجال الدين ـ رجال الأعمال ـ الإقطاعيون.

في المقابل، لا تجد لبنانياً أو مقيما في لبنان إلا ويحدّثك عن الهجرة. الهجرة أصلاً جزء من ثقافة لبنانية لم تولد في الحرب، بل قبلها بقرون. دائماً ما كان اللبنانيون يهاجرون بسبب نقص الموارد في بلادهم، فلكم أن تتخيّلوا رغبتهم في الرحيل الآن. لم يعد الإنسان في لبنان يفكّر سوى بأمرٍ واحد: "أعيش كل يوم بيومه". غير أن مساحة العيش في هذا اليوم بدأت تضيق، ولن تعود هذه العبارة معياراً للعيش، ولا حتى هدفاً، بل حلم صعب المنال، في ظلّ تفكك الدولة والبنيان الاجتماعي. كل شيء بالأرقام يؤكد أننا بتنا في هاويةٍ سحيقة، ولنا الحقّ في الشعور بالفزع والخوف، لكن الخروج من هذه الحفرة يستلزم قراراً جماعياً واحداً: إنقاذ الانسان في لبنان بأي ثمن كان.

ولكن، دائماً ما شهد تاريخ لبنان نقصاً في القادة الذين يصنعون الفارق. لم يتخذ أي صاحب سلطة بعد استقلال 1943 قراراً جريئاً بالمعنى الوطني الجامع. كل قرارٍ لأي رئيس جمهورية أو حكومة أو مجلس نواب، كان مدفوعاً بحافز طائفي ـ مناطقي. في النهاية، كل من يصل إلى السلطة في بيروت، يسعى إلى "تمكين جماعته" باسم الطائفية، في إدارات الدولة. اليوم لا يختلف عن الأمس، إلا لجهة شحّ قيمة الرواتب الممنوحة لجماعات الزعماء في الدولة، بفعل انهيار الليرة اللبنانية.

علم الاجتماع اللبناني يُدرّس. استماتة الأشخاص الموالين لزعماء وأحزاب، حتى على حساب الحاجات البشرية الأساسية، لافتة. كأن هؤلاء باتوا منزوعي التفكير، ومسيّرون وفقاً لأدبيات وزير الدعاية الألماني أيام الحكم النازي، جوزف غوبلز. أعلم جيداً أن الأكثرية الساحقة منهم يعانون بشدّة، لكنهم يرفضون الاعتراف بالواقع، ويتمسّكون بدفاعهم عن زعيمهم أو طائفتهم، لأن "الآخر يفعل ذلك أيضاً". إنه الفناء الذاتي، وهم لا يدركون ذلك. لا نحتاج إلى مزيد من المكابرة، ليس فقط بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار، بل أيضاً بسبب تردّي أخلاقياتنا. لا نحتاج إلى مثل هذه النهاية التعيسة في لبنان. لا نستأهل ذلك أساساً.