لبنان: حكومة جورج وناصر

لبنان: حكومة جورج وناصر

15 سبتمبر 2021
الصورة

الصورة التذكارية للحكومة اللبنانية برئاسة نجيب ميقاتي مع عون وبرّي (13/9/2021/الأناضول)

+ الخط -

تحاول تجنُّب الوحل لكنك تغطس فيه رغماً عنك. الوحل هنا استعارة للسياسة اللبنانية التي لا سياسة فيها، وأما التجنب فهو إحالة إلى عدم الكتابة عن يوميات الجحيم اللبناني، وقد صارت له حكومة جديدة لأصحابها بشار الأسد وحسن نصر الله وميشال عون ونبيه بري والآخرين، بعد أشهر طويلة من المجاهرة بأسباب التأخر، من نوع تمسّك ميشال عون بوزير معين وبثلث يكمل فيه تعطيل كل شيء في البلد، ورفض "الثنائي الشيعي" أي حكومة لا يكون فيها وزير المالية من صفوفه ومن أبناء الطائفة أو بناتها، وضرورة إرضاء زعماء الطوائف في التعيينات، حتى طلال إرسلان (!) وذلك كله يحصل بينما البلد ينتهي حرفياً ولا يبقى منه إلا الحطام.

تقدّم الحكومة لهواة تضييع الوقت ووجع القلب وتلويث العقل مواد غزيرة للسخرية أو للتحليل. هي حكومة إعادة تدوير بشار الأسد من خلال إيصال الغاز المصري والكهرباء الأردنية إلى لبنان عبر سورية بموافقة أميركية ــ إسرائيلية؟ نعم على الأرجح. هي حكومة تسوّل بضعة ملايين من الدولارات من الخارج لتجييرها كرشاوى في الانتخابات النيابية ربيع 2022؟ معقول. هي آخر حكومات عهد ميشال عون وبشارته المبكرة بالجحيم؟ على الأرجح. هو مجلس وزراء وكلاء الفاسدين الأصليين ومستشاريهم؟ أكيد. هي فريق عمل ينهي خرافة معارضة السياسيين لنهج حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وتحميله وحده مسؤولية الانهيار الحاصل؟ هذا مثبت في تولي اليد اليمنى لرياض سلامة، مدير العمليات المالية في المصرف المركزي يوسف خليل، منصب وزارة المالية. أما النميمة الأقوى عن الحكومة، والتي تعطي فكرة عن مستوى "السياسة" في لبنان بنسخته الحزباللهية ــ العونية، فهي التي تفيد بأن الحكومة الجديدة فيها حصة لإيمانويل ماكرون، بدليل وجود فراس الأبيض وزيراً للصحة فيها! بهذا النوع من الأسئلة والأجوبة العميقة والفلسفية، يمكن للهواة أن يتسلّوا، ولآخرين أن يتوقفوا عند اسمين اثنين تضمنتهما اللائحة والصورة التذكارية الذكورية: هناك جورج قرداحي، رجل المليون و"المسامح الكريم" والإعجاب الطبيعي بكل الطغاة والقتلة، وهناك وزير للبيئة اسمه ناصر ياسين. هجاء قرداحي لا يعبّر عن فداحة تعيينه، فتطوع الرجل بنفسه، في أول تصريح له بصفته الوزارية، لإخبارنا عن أي نوع من الوزراء نتحدث: طالب وسائل الإعلام بعدم استقبال ضيوف يركزون في حديثهم على مصائب البلد. والمصائب تلك ليست سوى مجاعة وانهيار شامل وإفلاس وحكم المليشيات الطائفية وسرقة أموال المودعين والسقوط الحر للبلد بفضل أصدقاء قرداحي في السياسة وفي مصرف لبنان. لكن هذه الحكومة يليق بها جورج قرداحي وتليق به. لكن أن يتورّط فيها أستاذ جامعي يُدعى ناصر ياسين، يشكر فيه معنيون غير ملوّثين بالشأن العام، ويشهدون على كفاءة أكاديمية له وعلى نشاطه العام غير الفاسد، وعلى إيجابيات عمل "مرصد الأزمة" الذي يديره ويوثق الانهيار منذ عامين، وينشط بشكل أخلاقي في إطار تكذيب الخرافات المؤسسة للعنصرية اللبنانية ضد اللاجئين عموماً، والسوريين خصوصاً، أن يتورّط مثل هذا الرجل في حكومة مسخ كتلك التي يرأسها نجيب ميقاتي، فإنما هذا من شأنه إما إعادة النظر بالشهادات الإيجابية بحق ياسين، أو أن يؤكد المؤكد لناحية سذاجة قناعات التغيير من خارج السياسة، وأساطير التكنوقراط والقدرة على التأثير في بنية نظام وسلطة، انطلاقاً من مؤهلات فرد من أصل 24، وكأن الحديث يدور عن فريق كرة قدم يمكن فيه للاعب أن يغير في أحوال المجموعة.

ماذا سيفعل ناصر ياسين في الحكومة التي قرّر الانفراد بربطة عنق حمراء داخل غابة ألوان عابسة في صورتها التذكارية؟ ستخسر جامعته الأميركية أكاديمياً يبدو أنه جيد، وسيفتقد مرصد الأزمة لجهد حميد، وستضيع طاقة ضرورية لتكذيب العنصريين وإنصاف اللاجئين. وهذه كلها ثمنها أكثر بكثير من مليون عند جورج قرداحي.