في خذلان المتخاذلين

في خذلان المتخاذلين

17 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

كاد العالم ينسى أنّ ثمة حالة احتلال وحيدة على ظهر الكوكب ما زالت قائمة في فلسطين، بعدما تغيرت موازين القوى، وفقد الفلسطينيون كثيراً من التأييد الإقليمي والعالمي، وتراجعت أولوية قضيتهم على قائمة الاهتمامات والشواغل العربية من المحيط إلى الخليج، وانهمك الفلسطينيون أنفسهم في صراعاتٍ جانبيةٍ ومعارك ضيقة حول المصالح والمناصب والنفوذ والهيمنة على سلطةٍ مقيدةٍ وأرضٍ مستباحة، فحاولت إسرائيل حذف القضية من القاموس السياسي، وإسقاطها من ذاكرة التاريخ. وهي عملية تكرّرت وفشلت مرات ومرات. وشهد العقدان الماضيان وحدهما حملتين عمليتين كبيرتين لزحزحة القضية الفلسطينية، بعيداً عن أعين شعوب المنطقة وقلوبها وعقولها. كانت الأولى بالتشويش على القضية، وتشويه أصحابها بحجّة "الإرهاب"، وإدانة "المقاومة" المشروعة للاحتلال بتهمة "الإرهاب"، والتذرّع بها لتصفية المقاومين، وإنهاء أيّ مقاومةٍ ضد الاحتلال وإن بالكلمة. وعلى الرغم من الغموض الذي أحاط بتفجيرات "11 سبتمبر" والالتباس الكبير حول من يقف وراءها، فإنّ النصيب الأكبر من الشبهات المفتعلة حولها اتجه حصراً إلى الفلسطينيين، وأيّ عربي أو مسلم يومئ، وإن صمتاً، إلى رفض الاحتلال الإسرائيلي وانتهاكاته المستمرة.
ومع فقدان فزّاعة "الإرهاب" بريقها، لم يكن بدٌ من إيجاد فزاعة أخرى. فوقع الاختيار على إيران، لتصير المتهم الجديد، والمارق الذي ينبغي ترويضه، وليس القضاء عليه، فإيران ليست الهدف الأصلي، وإنما هم الفلسطينيون. ومن أكبر الدلائل على ذلك تكرار موقف واشنطن وتأكيده (منذ عهد كلينتون، مروراً ببوش الأب ثم الابن ثم أوباما ومن بعده ترامب، وإلى بايدن) بأنّ المطلوب ليس تدمير إيران، أو حتى إسقاط نظام حكم الملالي، وإنما فقط "تغيير سلوك طهران".
ومع خروج دونالد ترامب من البيت الأبيض، تغير التكتيك الأميركي لتحجيم إيران وتطويقها. لكنّ الاستراتيجية الأشمل في الشرق الأوسط لم تختلف، وأيضاً سياسة دول المنطقة المتوافقة مع هذه الاستراتيجية، فلم يحدث تراجع أو نكوص عن تطبيع بعض الدول مع إسرائيل، فيما عرف بالاتفاقات "الإبراهيمية". وكأنّ الأوضاع استقرّت وقضي الأمر، ولا يتبقى على إعلان انتصار إسرائيل النهائي سوى تقييد إيران مجدّداً بالاتفاق النووي، إذ لم تعد القضية الفلسطينية تشغل بال أحد، ولا مكان لها إلّا في سجلات الماضي، أو هكذا ظنوا. وللحق، توفرت لذاك الظن كلّ مقومات التأكيد والنجاح. وحاز على تأييد كلّ الأطراف ومباركتها قولاً وفعلاً؛ الأميركيين والأوروبيين والإيرانيين والعرب، وقبل كلّ هؤلاء الفلسطينيون أنفسهم، أو بالأصح بعضهم، إلّا طرفاً واحداً شاذّاً بطبيعته، هو ذلك الكيان المُفتعل.
نعم، إسرائيل هي الطرف الوحيد الذي لم يعمل جدّياً على إكمال تصفية القضية الفلسطينية، وإعادة بناء مصفوفة المصالح والتهديدات والتحالفات في المنطقة. ربما يُعزى ذلك إلى قدَر ربّاني أو إعمالاً لسُنّة الله في الكون. وأيّاً كان السبب، المهم أنّ هذا هو الواقع، فقد أخذ إسرائيل الغرور، فتوهمت أنّ القضية انتهت فعلياً، أو أنّ الفلسطينيين صاروا موتى، لا وجود لهم ولا فعل ولا كرامة ولا حياة، فكان منها الغباء في استهداف المصلين بالأقصى، والعنجهية في تهجير أهل حيّ الشيخ جرّاح في القدس، ثم الهمجية في الرد على نخوة أهل غزة بحماقة ووحشية. وبدلاً من الانبطاح والخضوع اللذين ربما توقعتهما تل أبيب، إذا بنيران المقاومة تُلهب شرايين الدولة اليهودية، وهي ليست نيران الصواريخ، وإنّما هي النار التي في القلوب... وهكذا، من حيث لا تدري، تهدم إسرائيل الوهم الذي تحاول بناءه منذ زمن طويل، وتثبت بنفسها أنّ الحق باقٍ يضرب بجذوره في الأرض، وكلما حاولت اجتثاثه يرتدّ في وجهها حجارة من سجّيل.
لقد عادت القضية الفلسطينية حية تنبض في الذاكرة وعلى الأرض، ونسفت إسرائيل بأيديها جهد المطبّعين، وخذلت هي المتخاذلين.