فرنسا بين الدوغمائية ومعايير الحرية المزدوجة

30 نوفمبر 2020
الصورة

متظاهر يحمل لافتة "بلد الحقوق للشرطة" في باريس (28/11/2020/Getty)

+ الخط -

تتبجّح فرنسا بأنها أكثر دولة دفاعا عن حرية التعبير مهما كلفها ذلك، وجعلت من حق التجديف والاستهزاء بمعتقدات المسلمين ورموزهم عنوان هذه الحرية، لكنها تُظهر، في تصرّفاتٍ لمسؤوليها، ازدواجية المعايير في هذا الباب، ففي وقتٍ خرج الرئيس ماكرون يدافع عن الكاريكاتير المسيء إلى نبي الإسلام، نجده، في الوقت نفسه، يتصل بكبريات الصحف والقنوات الأجنبية، متهما إياها بالانحياز إلى أطروحات ظلامية، عوض الدفاع عن الحرية، مطالبا بمساندة دولية من دون تحفظ، ونافيا وجود أية عنصرية أو أي شكل من معاداة المسلمين، أو ما أسميه المسلموفويبا في فرنسا.
اتصل ماكرون ومستشارون له بصحيفتي فايننشال تايمز البريطانية ونيويورك تايمز الأميركية وغيرهما، واستنكروا توجهاتها التحريرية المعادية للحرية، حسب زعمهم، بل منهم من كتب مقالاتٍ تردّ على علماء اجتماع مختصين قاموا بتحليل الواقع الفرنسي، وهذا لا عيب فيه فالحجّة تردّ بالحجّة، والكلمة تردّ بالكلمة، أما أن يطلبوا من صحف ومواقع إلكترونية سحب بعض المقالات، لأنها لا تناسبهم، فهذا، لعمري، هو الضرب الحقيقي في حرية التعبير.
هذا ما وقع عندما طُلب من موقع بوليتيكو سحب مقال للمفكر والكاتب الفرنسي العلماني ذي الأصول الإيرانية، فرهاد خسروخاور، والذي شبّه فيه العلمانية بدين جديد لا يقبل غيره، ويحاول فرض نمط تدينه العلماني على المسلمين، عوض اتخاذ موقف الحياد تجاه الأديان وهو روح العلمانية الحقة. وقد نشر موقع الشرق 21 المقال الممنوع، مع توضيحٍ لكاتبه بين فيه أن مقاله جاء بطلب من "بوليتيكو" الذي نشر المقال قبل سحبه، بحجة أنه لا يحترم بعض معايير الموقع، مخفيا بذلك حجم الضغوط التي قام بها على الموقع أبطال حرية التعبير الفرنسيون. وهؤلاء الأبطال أنفسهم هم الذين اقترحوا قانونا جديدا سمّوه "قانون الأمن الشامل"، يمنع في فصله الرابع والعشرين تصوير رجال الأمن أو تسجيلهم وهم يؤدّون مهامهم، ما يجعلهم فوق أي حساب أو عقاب، ويطلق يدهم من دون حسيب أو رقيب.

اتصل مستشارو ماكرون بصحيفتي فايننشال تايمز البريطانية ونيويورك تايمز الأميركية، واستنكروا توجهاتها التحريرية "المعادية للحرية"

لم يحتج المسلمون وأبناء المهاجرين في فرنسا على هذا البند المثير للجدل، ولو فعلوا لاتُهموا بالطائفية والانفصالية والانعزالية ومحاولة تخريب الأمن العام، ولكن حقوقيين وصحافيين أحرارا قاموا بذلك، ورأوا في هذا البند توجّها سلطويا يمنعهم من ممارسة عملهم، إذ ستجعل خلفية هذا البند كل من قام بتغطية المظاهرات، أو كل الحوادث التي يتدخل فيها رجال السلطة معرّضا للمتابعة والمحاكمة، والتعزير وفقدان الشغل... نعم فقدان الشغل هو السلاح الجديد، كي تحتفظ فرنسا بوجهها المضيء دولة حرية التعبير، لكنها، في الوقت نفسه، تعاقب كل من خوّلت له نفسه اختيار مسار الدفاع عن الأقليات بصفة عامة، والمسلمين بصفة خاصة، وبذلك تعتمد فرنسا على ازدواجية المعايير في حرية التعبير حسب الموضوع. .. ولتبيان ما ذكر هنا، تكتفي المقالة بحادثتين وقعتا الأسبوع الحالي في فرنسا، وأظهرتا بكل جلاء التوجه السلطوي للحكومة الفرنسية.

طُلب من موقع بوليتيكو سحب مقال للكاتب الفرنسي العلماني ذي الأصول الإيرانية، فرهاد خسروخاور، الذي شبّه فيه العلمانية بدين جديد لا يقبل غيره

الأول، اعتداء الشرطة الفرنسية العنصري السافر على شخص فرنسي ذي سحنة سوداء، ميشيل زيكلر، بضربه وتعنيفه من دون سبب واضح. ولولا وجود كاميرا مراقبة داخل المبنى وثقت الاعتداء، ولم تكن تعلم الشرطة الفرنسية بوجودها، لاستمرت هذه في تعنّتها، وفي إنكارها الفعل الشنيع. ولولا التصوير الذي بادر إليه أحد جيران الضحية، لما رأينا فيديو ثانٍ يوثق المساس بكرامة الإنسان خارج المبنى، حيث ضربت الشرطة، في انتهاك صارخ للقانون، الضحية، وهجمت عليه داخل مقر عمله، من دون احترام حرمة المكان الخاص مع سبّ الرجل، وتعييره بمقولة "الزنجي القذر". وقد أجبر هذا الحدث رئيس الحكومة الفرنسية، جان كاستكس، على التراجع عن البند 24، مقترحا تشكيل لجنة خاصة لإعادة صياغته، قبل أن يتراجع، تحت ضغط أغلبيته المتصدّعة، ليحيل إليها إعادة صياغة القانون المخوّل إليها دستوريا، خصوصا وأن عقد تضامن النواب البرلمانيين المنتمين للأغلبية الرئاسية بدأ بالانفراط، سيما وأن كثيرين منهم صوّتوا مع القانون على مضض.
انفضح، إذن، التوجه السلطوي للحكومة ونفاقها، وهي تتحدث عن حرية التعبير، ليس فقط باقتراحها هذا القانون، وإنما أيضا بمنع مظاهرة مناهضة له، اضطر منظمّوها للجوء إلى المحكمة لإنصافهم، وذلك ما كان، بإبطال المحكمة الإدارية قرار المنع الصادر عن محافظ باريس، التابع لوزارة الداخلية، والذي حاول منع مظاهرة ضد هذا القانون، فأبطلت قراره وسمحت بالمظاهرة.

انفضح التوجه السلطوي للحكومة ونفاقها، وهي تتحدث عن حرية التعبير، ليس فقط باقتراحها قانون الأمن الشامل، وإنما أيضا بمنع مظاهرة مناهضة له

الحدث الثاني ما وقع لصحافي يشتغل لحساب قناة "كنال بلوس" الفرنسية، المملوكة لأحد أثرياء فرنسا، هو نفسه صاحب القناة الإخبارية "سي نيوز"، المعروفة بتوجّهها اليميني المتطرّف واستضافتها منظّريه. إنه سيباستيان توهين، الكاتب والفكاهي الذي سبّبت له مشاركته في برنامج ساخر في قناة "وينا ماكس"، تهكّم فيه من برنامج إخباري معروف بعنصريته وعدائه للمسلمين في القناة الإخبارية المذكورة، بطرده في الحين، ولم يحتج أي من المسؤولين في الحكومة على هذا الطرد، ويعتبره مسّا بحرية التعبير.
تُظهر الأمثلة المذكورة أن حرية التعبير في فرنسا تُقاس بمعايير القوي بل الأقوى، وأن المثالية التي يتحدّث بها الساسة الفرنسيون عن علمانية فرنسا المتجذرة، وقانون 9 ديسمبر1905 الذي يقنن العلاقة بين الدين والدولة الفرنسية، تضرب عرض الحائط التحول الاجتماعي الذي عرفته فرنسا، وتتجاهل وجود أكثر من خمسة ملايين مسلم قدموا واستوطنوا فرنسا، وأصبحوا جزءا منها ومن ثقافتها، وغيّروا تشكيلتها الإثنية والثقافية والدينية.
إنه واقع لا يريد فرنسيون كثيرون رؤيته، لكن نفيه لا يعني عدم وجوده، إنها نوع من الدوغمائية التي يختبئ خلفها قادة فرنسا، وهم بذلك يقوّضون مبادئ الثورة الفرنسية القائمة على "الحرية، المساواة، الأخوة"، فليس من الحرية تقييد حرية التديّن، ولا من المساواة وصم جزء من المواطنين وتحقيرهم، ولا من الأخوة الاستهزاء بأي أحدٍ من سكان البلد.