غيفارا أو مجاهد؟ تحالف اليسار واليمين

غيفارا أو مجاهد؟ تحالف اليسار واليمين

08 يناير 2022

(مروان قصاب باشي)

+ الخط -

في نهاية عام 2008، في أثناء العدوان الإسرائيلي على غزّة، ألغت مطاعم كثيرة في سورية حفلاتها في ليلة رأس السنة تضامنا مع أهالي غزّة. أتذكر أن صاحب المكان الذي حجزناه لنسهر فيه اتصل بنا معتذرا عن إكمال السهرة: "ما فينا ننبسط والناس والأطفال بغزة عم تموت تحت القصف". ومثله فعل كثيرون من أصحاب المطاعم والصالات الذين لم يكترثوا للخسائر المادية التي ستلحق بهم جرّاء إلغاء حجوزات السهر. كانت القضية أخلاقية أولا، قبل أي ىشيء آخر. ولم يكن ذلك تنفيذا لقرارات أمنية. لم يصدر يومها أي قرار في هذا الشأن، بدليل أن أماكن تابعت برامجها من دون تغيير. كان فقط انسجاما بين موقف السوريين الأخلاقي والوطني وسلوكهم.

كان قد حدث ما يشبه ذلك في عدوان تموز 2006 على لبنان، فعدا عن استقبال السوريين عائلات لبنانية كثيرة نزحت إلى الجارة الوحيدة، وعدا عن اهتمام الشعب السوري بالنازحين ورعايته لهم، فإن مطاعم وصالات سهر عديدة ألغت برامجها الفنية في تلك الفترة تضامنا مع الأشقاء اللبنانيين، في موقف أخلاقي سوف ينساه لبنانيون كثيرون حين بدأ النظام السوري شن حربه المجنونة والمجرمة على السوريين في 2011، مستعينا بمليشيات حزب الله القادمة من لبنان والعراق، وتلك التي انضمت إليه في سورية.

كان قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، رأس الحربة الإيرانية في سورية والعراق ولبنان، اللواء قاسم سليماني، الحاكم العسكري والأمني الفعلي الأكثر بطشا وإجراما ضد الثائرين على النظامين، السوري والعراقي، من أبناء البلدين، جرائمه في هذا المجال أكثر من أن تُحصى أو تُذكر، لا سيما في الشمال السوري وحلب، حيث شارك في قتل السورين بنفسه، وليس فقط عبر إصدار الأوامر، حتى إن صورته المستفزّة، يتبختر مزهوا في قلب قلعة حلب، ما زالت تعيد إلى الأذهان رمزية الاحتلال بكل ما تمثله من استعلاء واستعراض على دماء أبناء البلد المحتل. ولم يقتصر الأمر على سورية وشعبها، إذ فعل الشيء ذاته في العراق، قبل أن يُصدر الرئيس الأميركي ترامب أوامره في عام 2020 للجيش الأميركي في العراق باستهدافه بصواريخ موجّهة، وكان سليماني في موكب سيارات مدنية في محيط مطار بغداد حين تم استهدافه وقتله مع مرافقين له.

حين انتشر خبر اغتياله، ظهر تحالف مدهش في نعيه والتحسر عليه، قوامه اليسار واليمين العربيان، نعاه اليسار العربي بوصفه "غيفارا العصر" ونعاه اليمين بوصفه "مجاهد العصر". شيوعيون وقوميون وبقايا ناصريين استطاع شعبوي، كترامب في قراره اغتيال سليماني، فضح تحالفهم المبطن مع الإخوان المسلمين حين يتعلق الأمر بمقتل شخص يمارس إرهابا حقيقيا ضد شعوب المنطقة، حيث يلتبس الموقف الأيديولوجي مع الارتزاق والخضوع للداعم العسكري والمالي، وهو الالتباس الذي فضحته أحداث الربيع العربي وموقف كثيرين من اليسار واليمين منه.

وعلى الطرف الآخر، لم يخف كثيرون من ضحايا سليماني وتوابعه فرحتهم بمقتله والتخلص منه. لعل ذلك يقلل من الدماء التي يسفكها فيلقه والمليشيات المتحالفه معه، ويقلل من عدد ضحاياه من أبناء شعوب المنطقة. ولن يغير في ذلك إن كان قاتله أميركيا أم سوريا أم عراقيا أم غيره. "ناب كلب في جلد خنزير"، كتبها يومها كثيرون ممن لا يرون فرقا في الإجرام بين القاتل والمقتول، ولا يُحزنهم أن يقتل أحد القتلة الآخر، بل ربما قد يكون هو الحل الوحيد لحالة الاستعصاء الأمني والإنساني التي تعيشها بلداننا: أن لا يتوقف القتلة عن استهداف بعضهم بعضا.

منذ عشر سنوات، والسوريون يقتلون ويشرّدون ويهانون وينكّل بهم، ودائما كانت إيران في الواجهة، متحالفةً، في السر والعلن، حتى مع أعدائها، لقتل مزيد من السوريين، وتدمير سورية وتغيير ديموغرافيتها وبنيتها الاجتماعية، هم السوريون أنفسهم الذين تضامنوا ويتضامنون مع غزة ولبنان حين يتم استهدافهم، الذين لم يهتم يوما القيادي في حركة حماس محمود الزهار بكارثتهم. لم يعلن موقفا سياسيا واحدا صريحا ضد قتلتهم، لكنه لا يتورّع عن تسميتهم "خونة الأمة وشواذّها"، لأنهم فرحوا بمقتل أحد قتلتهم. ومع ما في تسمية "شواذ" من عنصرية، إلا أن تصريحه، عشية الذكرى الثانية لمقتل قاسم سليماني، ليس فقط دليلا على براغماتية بعض حركات الإسلام السياسي وارتزاقها، بل أيضا سندا مهما في وجه القائلين إن ما حدث ويحدث في سورية والعراق هو استهداف "للسنة"، وليس للبلاد كيانا وحضارة ومستقبلا.