غزة تكتب تاريخ فلسطين الحديث

غزة تكتب تاريخ فلسطين الحديث

19 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

أكتبُ وثورة/ انتفاضة أهلنا في فلسطين، تدخل أسبوعها الثاني من دون كلل أو يأس، على الرغم من تزايد مواكب الشهداء، وتعاظم أعداد الجرحى والدمار الممنهج للمباني السكنية على رؤوس ساكنيها، والمواقع التجارية والتعليمية والصحية، والبنية التحتية عامة، من القوة الصهيونية العاتية، والمسلحة بأحدث الأسلحة الأميركية. وعلى الرغم من مطاردة الشعب الفلسطيني من اللدّ إلى يافا وحيفا وعكا والناصرة والجليل والنقب والمثلث، فضلاً عن القدس ورام الله ونابلس، وغيرها من مدن وقرى على امتداد فلسطين، بغرض بثّ الرعب في قلوب أهل فلسطين، والحدّ من ثورتهم/ انتفاضتهم، لكنّ هذه الممارسات لا تزيد الشعب الفلسطيني إلّا إصراراً على المقاومة والصمود.

(2)

ما برح قادة "أوسلو" (1993) يراهنون على إمكانية السلام مع إسرائيل تحت مبدأ "الواقعية"، وعلى دور الولايات المتحدة الأميركية، وقد أثبت قادة الفكر في الوطن العربي فشل ذلك الرهان، فما هي أسس القول بفشل التعويل على دور أميركي؟ سأتجنب الغوص في ملفات ممارسات الولايات المتحدة الأميركية المؤيدة لإسرائيل في حالة أيّ نزاع مسلح في فلسطين، كي تمكّن إسرائيل من تحقيق معظم أهدافها التدميرية المتوحشة ضد الشعب الفلسطيني، أو مواقف أميركا من الحروب العربية - الإسرائيلية، لكني أذكّر بما تفعل هذه الأيام: أولاً، أكّد الرئيس بايدن "حق إسرائيل في الدفاع عن النفس" في مواجهة الفلسطينيين، على الرغم من أنّه يعلم أنّ إسرائيل هي البادئ بالعدوان على الفلسطينيين في المسجد الأقصى في شهر رمضان، وفي حيّ الشيخ جرّاح في 13 مايو/ أيار الحالي، ولم يذكر حق الفلسطينيين في الدفاع عن النفس. ثانياً، مارست الإدارة الأميركية الحالية ضغوطاً على بعض الدول العربية، لدفعها إلى ممارسة الضغوط على القيادة الفلسطينية، بوقف حقهم في الدفاع عن أهلهم في فلسطين. ثالثاً، انتدبت موظفاً أميركياً من أصول عربية، لإقناع الفلسطينين بوقف التصدّي للعدوان الإسرائيلي، كي لا يزدادوا شراسة.

القيادة اليوم، القادرة على حماية الشعب واسترداد حقوقة وردع العدوان، هي سلطة غزة الباسلة

ومنعت الإدارة انعقاد مجلس الأمن يوم الجمعة الماضي، بذريعة أنّ جهوداً دبلوماسية تُبذل لوقف الحرب. كذلك عطّلت انعقاد جلسة علنية لمجلس الأمن، إلى أن تأكدت أنّ إسرائيل قد ألحقت أضراراً رهيبة، على كلّ الصعد، بغزة، عندئذ وافقت على انعقاد الجلسة، الأحد الماضي، لكنّها عطلت إصدار قرار أو بيان رئاسي من المجلس يدين العدوان على الشعب الفلسطيني والجرائم التي ارتكبت في حقه. وفوق هذا، وافقت واشنطن، أخيرا، على صفقة أسلحة مع إسرائيل بقيمة 735 مليون دولار (صحيفة معاريف، 17/5/2021).

(3)

المسؤولون الأميركان، ديمقراطيين أو جمهوريين، يستثنون، في كلّ خطبهم وتصريحاتهم الإعلامية وبياناتهم، إسرائيل من صفة الإرهاب، على الرغم من كلّ ممارساتها الإرهابية، حكومة ومنظمات، ضد الشعوب، الفلسطيني والسوري واللبناني وغيرهم، بينما يصنفون حركتي الجهاد الإسلامي وحماس وغيرهما إرهابية. ومع الأسف، تسير بعض الأنظمة العربية في ذلك الاتجاه. ومن الحركات الإرهابية في إسرائيل "كاخ" وقد أسّسها الحاخام مئير كاهانا. ويستلهم أفكارها تلميذه، إيتمار بن غفير، الذي أصبح عضواً في الكنيست الإسرائيلي الحالي، حليفاً لحزب الليكود، بقيادة نتنياهو. وهناك منظمة "لاهافا" الإرهابية، ويترأسها الحاخام المستوطن بنتسيون غوفشتاين، وهو من المحرّضين على قتل الفلسطينيين. ولم نسمع أيّ إدانة لمثل هذه المنظمات الدينية الإسرائيلية الإرهابية من الدول حاملة لواء محاربة الإرهاب.

لم يعد الشعب الفلسطيني في حاجة إلى سلطة محمود عباس وكوادرها

الخطأ الكبير هو خطأ تلك العصبة العربية التي تتغافل عن حقائق التكوين المتماثل، حين يعتقدون أنّ بإمكانهم مخاطبة الولايات المتحدة لتمييز موقفها عن تل أبيب، فيلجأون إليها، لكي تدين الإرهاب الإسرائيلي، وتدين هدم بيوت المواطنين في غزة، أو الحدّ من نزوع إسرائيل التوسعي العدواني على حساب أصحاب الحقّ الشرعيين، إذ كيف يُطلَب من واشنطن، وهي نفسها تقوم على ممارسة الهيمنة والتوسع والعقوبات الجماعية؟!

(4)

لهذه الممارسات، يصبح من الضروري علينا جميعاً، إذ يستمر في قطاع غزة التدمير الشامل المجنون، ونسف المنازل والأبراج المدنية، وحرق المزارع، ونهب المياه الجوفية، وكذلك الطرد الجماعي لأصحاب الحق، كما هو الحال في حيّ الشيخ جرّاح في القدس، والحيلولة دون لمّ شمل الأسر، أن نعرّي التحالف الأميركي - الإسرائيلي، لا بوصفه يقوم على تبادل المنافع الاستراتيجية المفهومة ضمناً في العلاقات الدولية، بل بوصفه تحالفاً يقوم على التماثل في التكوين والتوجه، فأميركا على وعي بما يفعله الإرهاب الإسرائيلي، وعلى استعداد دائم لإقراره وتأييده، بحكم التماثل في التكوين والتوجه. وإذا فهمنا هذا الواقع، يصبح علينا أن نوفر وقتنا وجهودنا المتجهة دائماً إلى واشنطن، سائلين العون منها على عدوّ لنا هو من صميم نسيجها السياسي.

(5)

تكتب غزة التاريخ الحديث للشعب الفلسطيني، بكلّ فصائله، وتعلن وفاة السلطة العباسية بسكتة قلبية. رجال غزّة العزة والصمود ينجدون أهل القدس، ويثأرون لهم. أمطروا الكيان الصهيوني بصواريخ المقاومة الباسلة، جعلته يغلق مطاراته وموانئه، وتجمّدت حركته الاقتصادية، وأدخلت الإسرائيليين الملاجئ. والقوة الأمنية التابعة للسلطة يقدر تعدادها بـ40 ألفاً، لم يكن لها أثر في نابلس، عندما اعتدى أكثر من مائتي مستوطن على قرية جالود، جنوبي المحافظة، تحت حماية الجيش الصهيوني، بل اقتحمت قوة من هذا الجيش القرية لحماية المعتدين من غضب الأهالي. وقوة السلطة تراقب... "ماكو أوامر" بالمواجهة دفاعاً عن الشعب. واعتقلت القوات الإسرائيلية 11 مواطناً من جالود. وفي قرية فرعتا، شرقي محافظة قلقيلية، قام مستوطنون بالتخريب، وقطعوا الأشجار المثمرة، واعتدوا على فلسطيني وأشبعوه ضرباً. واعتقلت إسرائيل أكثر من 20 فلسطينياً من مناطق متفرّقة في الضفة الغربية. حدث هذا كله وسلطة رام الله لم تدافع عن الشعب الذي أرهقته بفرض الضرائب من أجل حمايته، وهي لم تحمه من سطوة المستوطنين.

آخر القول: لم يعد الشعب الفلسطيني في حاجة إلى سلطة محمود عباس وكوادرها. والقيادة اليوم، القادرة على حماية الشعب واسترداد حقوقة وردع العدوان، هي سلطة غزة الباسلة... تحية لغزة وللشعب الفلسطيني المتصدّي للعدوان الإسرائيلي.