عن قيس سعيّد ومسألة الإرادة الشعبية

عن قيس سعيّد ومسألة الإرادة الشعبية

04 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

ركّزت الحملة الانتخابية للمرشّح في انتخابات الرئاسة التونسية، قيس سعيّد، في عام 2019، على مقولة تكريس الإرادة الشعبية في إدارة الشأن العام، وتسليم مقاليد الحكم للشعب ليمارس سلطته بشكل مباشر، وجلّى ذلك شعار "الشعب يريد" الذي وسم حملته التفسيرية، وهو شعارٌ جذّاب، فضفاضٌ وغامضٌ في آن، يخاطب وجدان الجماهير، ويعد بالتمكين لسيادة الشعب عموماً، والشباب خصوصاً. لكنّه لا يفصّل في كيفيّة ممارسة الشعب السلطة، ولا في آليات تكريس إرادته في الواقع، ولا يقدّم برنامجاً واضح المعالم لحلّ معضلات تونس الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. بل يستثمر في عموم الشعار وغموضه ليستقطب أكبر عددٍ ممكن من الأتباع، فكلّ مريدٍ يرى في ذلك الشعار تمكيناً لسلطة الشعب، ويرى في صعود قيس سعيّد إلى كرسيّ الرئاسة فرصةً لتحقيق أحلامه في الشغل، والرفاه، والكرامة.

بعد فوزه في الاستحقاق الانتخابي، استمرّ سعيّد في استحضار مقولة التفويض الشعبي، قائلاً إنّه يمثّل الإرادة الشعبية في عمومها. وذلك ليضفي طابع الشرعية الشعبية على قراراته، وليقلّل من قيمة اعتراض الناس على توجّهاته الفردانية. والواقع أنّ تصويت طيْف معتبر من التونسيين له لا يعني بحال أنّه يمثّل الإرادة الشعبية على جهة الإطلاق، فثمّة معارضون كثيرون له، وحتّى قاعدة مؤيّديه ليست قاعدة شعبية ثابتة، فهي مرشّحة للزيادة والنقصان بحسب مواقف الناخبين من أدائه في إدارة شؤون البلد، وتحقيق تطلّعات الناس، وترتيب العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فتصويت طيْف من المقترعين للرئيس ليس صكّاً على بياض، ولا بيْعة نهائية. ومن ثمّة، لا سبيل للوصاية على الناس جميعاً وادّعاء احتكار الإرادة الشعبية. وولاء الجمهور في حدّ ذاته مسألة هلامية، زئبقية، تتغيّر بتغيّر حاجات الناس ومدى القدرة على تحقيق انتظاراتهم.

يسعى قيس سعيّد ويعمل على توسيع دائرة الانبهار الشعبوي بشخصه، لا تقديم حلول فورية لمشكلات الناس

في مستوى الحضور الشعبوي للرئيس التونسي، يمكن التمييز بين مستويين. الأوّل مستوى الصورة الشعبوية، والثاني مستوى الخطاب الشعبوي، فعلى صعيد الصورة، عمد قيس سعيّد مراراً إلى الظهور في مظهر القائد/ القريب من النّاس، فهو يمشي في الأسواق، ويرتشف قهوته في مقهى شعبي، ويصطفّ في أحد المخابز ليشتري رغيفاً، ويتبضّع متخفّفاً من أبّهة الرئاسة، وقوّة الحراسة الأمنية الشخصية. والمراد من ذلك الحضور المشهدي الخروج عن المألوف، ولفت الانتباه، وأن يصنع الرئيس لنفسه في أذهان الناس صورة الزعيم الشهم، المتواضع على نحوٍ يزيد من شعبيته. وفي السياق نفسه، تركّز الكاميرا على صورة الرئيس، وهو يضمّ ملء أحضانه شباباً أدمتهم البطالة، أو أطفالاً أرهقهم الفقر، في حركةٍ دالّةٍ على أنّه متضامن معهم، ويشاطرهم همومهم. وفي مقام آخر، يقبّل الرئيس العلم الوطني بحرارة، وترى على مكتبه في قصر قرطاج صورة فلّاحات تونسياتٍ كادحات، وخريطة البلاد، ومصحف قرآن، ورسالة أو لوحة مكتوبة بخطّ عربي. وهو مشهدٌ بصريٌّ، مكثّف، حمّال دلالاتٍ عدّة، فهو يحيل على تعلّق الرئيس بالوطن، وانتمائه إلى مجتمع الكادحين، وانغراسه في تربةٍ هوويةٍ عربية، إسلامية. والصور هنا معبّرة، بل مختارة بعناية فائقة وذكاء شديد، فهي بمثابة رسائل سياسية، ذات طاقة تعبيرية/ تأثيرية كبيرة، فالقصد من تلك الصور إيقاع التأثير في نفس المتقبّل، والقول إنّ الرئيس هو ابن الشعب، ويعمل لأجل الشعب، ويتمثّل مشاغله وأحلامه، ولسان حاله يقول: "أنا الرئيس... أنا الشعب"، أنا الأدرى بهمومكم، والأقدر على حلّ مشكلاتكم. ومن ثمّة، القصد من تكثير الصور وانتقائها هو عطْف القلوب نحو الرئيس، وتأليف الناس من حوله. ولا يعني ذلك، بالضرورة، أن يشرع الرئيس في حلّ معضلات البلد، وتخفيف معاناة المهمّشين. بل الغاية توسيع دائرة الانبهار الشعبوي بشخص الرئيس، لا تقديم حلول فورية لمشكلات الناس. وفي وسع فخامته، لاحقاً، أن يتعلّل بعقباتٍ كأداء وأعداء حقيقيين أو وهميين، حالوا دون شروعه في تحقيق الإصلاح الشامل/ المأمول.

إنّ تصويت طيْف معتبر من التونسيين لسعيّد لا يعني بحال أنّه يمثّل الإرادة الشعبية على جهة الإطلاق

أمّا الخطاب الشعبوي فيعدّ قوّة تعبئة جبّارة، وظّفها قيس سعيّد لاستتباع الناس، وتأمين سيطرته المطلقة على مؤسّسة الحكم. ويلاحظ الناظر في معظم خطابات الرئيس التونسي قيامها على ثنائية "نحن/هم". وتشمل "نحن" شخص الرئيس/ المتكلّم وأنصاره، وعموم الفئات الشعبية المفقّرة، المهمّشة، ويسند لهم الرئيس نعوتاً إيجابية، جليلة، من قبيل: الصادقون، الصالحون، المنتصرون، الوطنيون، المخلصون.. أمّا "هُم"، فتشمل النخب السياسية الحاكمة والمعارضة، والأسر الثريّة المتنفّذة، وطيْفاً من رجال الأعمال، الذين كثيراً ما أسند إليهم الرئيس نعوتاً سلبية، خسيسة، من قبيل: "الكاذبون، الفاسدون، المنهزمون، العملاء، المتآمرون، الخونة...". ومن ثمّة، الخطاب الرئاسي/ الشعبوي مؤسّس على تقسيم التونسيين، لا على تجميعهم والتأليف بينهم. وهو يشتغل على ترسيخ مصادرة مفادها مَن هو/ هي معي، فقد استجمع صفات النقاء، والصفاء، والصلاح والوطنية، والطهورية، ومَن هو/ هي ضدّي، فجدير بكلّ متعلّقات العمالة، والفساد، والنذالة. وبلغ الأمر بالرئيس درجة استخدام معجم، يعجّ بعبارات التحقير والكراهية في توصيف معارضي سياساته والمحتجّين على قراراته. فهو لا يرى حرجاً في نعتهم بـ"الخونة، والضالّين، والمخمورين"، واعتبارهم "جراثيم، حشرات بل شياطين"، وساهمت هذه الأسماء المشينة في تأليب الرأي العام المساند للرئيس ضدّ خصومه، وجعلت هؤلاء محلّ سحْل إلكتروني، وموضوع استهداف مادّي، ومعنوي.

والمرجّح أنّ خطاب الرئيس يصدر عن مسلّمةٍ مفادها بأنّه "لا ينطق عن الهوى"، وأنّه يحتكر الصوابية السياسية، والحقيقة المطلقة. وتجلّى هذا التوجّه الأحادي، بشكل لافت للنظر، من خلال احتكاره صوابية الخطاب التأويلي للدستور. ورفض في هذا السياق التصديق على قانون المحكمة الدستورية، ورفض قبول وزراء أداء اليمين أمامه إثر تعديل وزاري قام به رئيس الحكومة السابق، هشام المشيشي. والحال أنّ ذلك من صميم واجبات رئيس الجمهورية. كما وجّه سعيّد بأنّه القائد الأعلى للقوات المسلّحة (الأمنية والعسكرية) على جهة الإطلاق، في مخالفة صريحة لمنطوق النص الدستوري، والقوانين الترتيبية في هذا الخصوص. وبلغ الأمر بالرئيس درجة فرْض حالة التدابير الاستثنائية على الاجتماع التونسي. فقد تأوّل الفصل 80 من الدستور بطريقة أحاديّة/ غير مألوفة، عمد بمقتضاها إلى تجميد البرلمان، والحال أنّ المطلوب أن يبقى في حالة انعقادٍ دائمٍ زمن الاستثناء. وعزل رئيس الحكومة، والحال أنّ الدستور ينصّ على بقاء الفريق الحكومي فاعلاً في حالة الاستثناء، وعدم توجيه لائحة لوم إليه. كذلك نصّب الرئيس نفسه رئيساً للنيابة العامّة في تجاوز واضح لمحامل المدوّنة الدستورية. ودلّ ذلك الخطاب التأويلي/ الخارج على غير مخرج العادة على أنّ الرئيس يعتبر نفسه الناطق الرسمي/ النهائي باسم الدستور في ظلّ غياب المحكمة الدستورية. والواقع أنّ الرئيس مطالبٌ بالسهر على احترام الدستور، لا باحتكار فهمه وتأويله.

الخطاب الشعبوي يعدّ قوّة تعبئة جبّارة، وظّفها سعيّد لاستتباع الناس، وتأمين سيطرته على مؤسّسة الحكم

على صعيد آخر، الخطاب الشعبوي لدى سعيّد يراوح بين الوعد والوعيد، ويُطنب في الحديث عن أعداء حقيقيين ووهميين، قائلاً: "أعرفهم وسيُحاسبون"، ويمعن في التنبيه إلى وجود مفسدين، ومتآمرين عليه وعلى البلد من دون أن يسمّيهم بأسمائهم تفادياً لحرج مساءلته قضائياً وتتبعه قانونياً في هذا الخصوص. ويبدو أنّ الرئيس، من خلال ظهوره في مظهر الضحية والمتآمر عليه، والإخبار بأنّه مستهدف بالتسميم والاغتيال، إنّما يريد بذلك كسب تعاطف الرأي العام، وتحشيد الأنصار ضدّ معارضيه. واللافت أنّ قيس سعيّد يستحضر في خطابه مقتطفاتٍ من النص القرآني، والحديث النبوي، وشذرات من سيرة الصحابة والسلف الصالح ليُدغدغ الشعور الديني عند الجمهور/ الهدف، وليذهب في ظنّ الناس أنّ فترة حكمه هي استئناف للحقبة النبوية، وللزمن الراشدي على كيْفٍ ما، بما يحمله ذلك الفضاء الزمني من بعد تأسيسي، وطابع أخلاقي، تغلب عليه قيم العدالة، والنزاهة، والصدق في المخيال الجمعي.

وترد معظم خطابات الرجل بلغةٍ عربية، تتخلّلها كلماتٌ رنّانة، تشنّف الآذان، وأخرى فضفاضة، عامّة، وتشتمل أحكاماً معياريةً شتّى، تفتقر إلى دليل منطقي. ذلك أنّ غاية الرئيس مخاطبة وجدان الناس لا عقولهم. وكثيراً ما يتضمّن الخطاب الرئاسي إخباراً بقوّة الذات الرئاسية، وسيْطرتها على الشأن العام، ومعرفتها بكلّ شيء. فتتردّد عباراتٌ من قبيل: "أنا على يقين، أعلم كلّ شيء، صواريخنا على منصّاتها، راجماتنا القانونية .."، وبين لغة الاحتفال بالذات وتهديد المخالفين، يحمل الخطاب الرئاسي طيّه جرعة أمل ووعد بغد أفضل في ظلّ حكم فخامته.

ختاماً، على الرغم من جاذبيّة الحضور الشعبوي للرئيس التونسي، فإنّه لا يُبيّن لجمهور المستضعفين كيْف سينقذهم من عطالتهم وبطالتهم، ولا كيْف سيضع حدّاً لفقرهم وجوعهم، وبؤسهم وضياعهم، ولا كيْف سيحسّن مقدرتهم الشرائية، ويضمن لهم الكرامة والرفاه. بل يورد الوعد على جهة الإجمال من دون تفصيلٍ مبين، على نحوٍ يجعله كمن يقدّم وعوداً ورْدية للنّاس، ولا يُلزم نفسه ببرنامجٍ واضح لتنفيذها، ولا بجدول زمني دقيق لتحقيقها.