عن ثلاث مقدسيات يرفعن الرأس

عن ثلاث مقدسيات يرفعن الرأس

26 ابريل 2022

نجوان سمرين (يمين) وشيرين أبو عاقلة (وسط) وجيفارا البديري (يسار)

+ الخط -

هناك أعداد لا حصر لها من بنات المدينة المقدّسة وأبنائها الجديرين بالإطراء والثناء والتنويه، على ما ظلوا يُبلونه من بلاء يجلّ عن كل وصف في الدفاع عن زهرة المدائن، وما يواصلون بذله من تضحياتٍ ثمينةٍ في سبيل الحفاظ على هوية المدينة الباذخة بالرمزيات التاريخية، وما فتئوا يدفعونه تمسّكاً بعروبة المدينة الفريدة بأسوارها، بقبابها، يعبق بأسواقها وأزقتها العتيقة، بهذه البقعة القريبة من باب السماء، وبهذا العناد اللانهائي في صدّ عمليات التهويد والأسرلة المتواصلة، وذلك كله بالصمود والصلاة والتكبير والمقاومة، بقوافل الشهداء والجرحى والأسرى من دون حساب، وقبل ذلك وبعده، بخوض المواجهات غير المتكافئة بلا تهيّب، لا سيما على بوابات المسجد الأقصى وباب العامود والشيخ جرّاح وغيره.
تطول قائمة من يجدر تسجيل أسمائهم في صفحة الشرف هذه. لذلك يقصر الحديث هنا عن ثلاث مقدسيات يشتغلن في حرفتنا، نحن المنخرطين في مهنة الكلام والإعلام، ليس لأنهن أفضل من المرابطات والمعتقلات والمناضلات والمثقفات والأمهات الصابرات، والقائدات الملهمات في المجال العام، أو أرفع شأناً من بقية نساء بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، وإنما لحُسن أدائهن في الساحة التي توازي أهمية ساحات المعارك الجارية تباعاً، في الشوارع والحارات وعلى البوابات وفي كل ميدان، الأمر الذي يوجب على زملائهن في الصحافة والمنصّات بثّ إشادة علنية حارّة تليق بهن، وتقديم جرعة دعم معنوي مستحقّة لهن، خصوصاً في هذه الأيام.
ومن غير إجحاف بحقّ كثيرات يؤدّين، عبر قنوات أخرى متفاوتة المستوى، مهامهن الإعلامية باقتدار، أحسب أن مراسلات قناة الجزيرة الثلاث، شيرين أبو عاقلة وجيفارا البديري ونجوان سمري، قد انتزعن، بعد طول مراس، كامل نصاب التقدير والإعجاب، ونلن، بمواكبتهن الحثيثة المواجهات من عين المكان، آيات التحية الجزيلة، كما استحقت تغطياتُهن الشاملة الوقائع اليومية الساخنة، على مدار الساعة، رفع القبّعات، لما تميّزن به من حرفيةٍ وخلفيةٍ معرفيةٍ وتفانٍ شديد، لا سيما في المواجهات التي لم تنته بعد في صحن "الأقصى"، في ما سوف يُعرف لاحقاً باسم معركة منع ذبح قرابين الفصح اليهودي داخل حرم أولى القبلتين.
إلى جانب ما سبق ذكره عن الخاصيّات المميزة لمراسلات "الجزيرة" المقدسيات الثلاث، وفوق كل ما يتمتعن به من حضورٍ لافت على الشاشة، وما تبثه كل واحدة من ثقةٍ لدى المشاهدين، بصدقية ما رأت بأم عينها، وبصحّة الرواية الإخبارية المنقولة عن مصادرها الأولية، هناك المثابرة بلا كلل ولا ملل على متابعة الوقائع الميدانية عن قربٍ شديد، مهما كانت الصعاب وكانت الأخطار، بما في ذلك التعرّض للضرب والمنع والإبعاد، على نحو ما جرى مراراً في أحداث سابقة في القدس وجنين ونابلس وغيرها من المدن والأنحاء التي يواجه أهلها، بصدورهم العارية، فاشية الاحتلال البغيض.
ما أملى هذه المطالعة، وقدّم موضوعها على غيره من موضوعاتٍ تغلى على النار، هو ما تتمتع به المراسلات الثلاث من حسٍّ وطنيٍّ رهيف، من انفعال فوق شخصي، وحماسة طالعة من سويداء القلب، كانت تتجلّى أحياناً على هواء البثّ المباشر، وفي التغطيات التلفزيونية المفتوحة، الأمر الذي شكّل لدينا، نحن المتابعين عن كثب، انطباعا ظلّ يتعزّز ، وهو أننا بين أيديهن نقع أسرى سحر مقدسيٍّ خاص، أننا قدّام مناضلات حقيقيات، قبالة حضور جميل، يفيض عن حوافي الشاشة، ويملاً البيوت المفعمة بالهواجس إزاء مستقبل القدس، وبالقلق على راهن المرابطين في أكنافها، بقسط وافر من الاطمئنان، وبيقين بالغ، مفاده أن في مدينة التكبيرات والأجراس قوماً جبارين، رجالاً ونساءً ذوي بأس شديد.
ختاماً، ومن غير عقد مقارنات ظالمة مع أندادهن في الميدان، يمكن المجازفة بالقول إن الشطر النسائي الجميل من فريق "الجزيرة" في الأراضي الفلسطينية، وفي القلب منه شيرين وجيفارا ونجوان، قد يكون أكفأ فرق القناة الأوسع مشاهدة في العالم العربي، سواء من حيث جودة التغطية للأحداث، أو من حيث فهم خلفية المجريات اليومية، ناهيك عن تلك الإطلالات المتّسمة بالرصانة لمقدسياتٍ يرفعن الرأس عالياً، وهن يؤدين رسالتهن بإخلاص، ليس للقناة المنشغلة بالموضوع الفلسطيني فحسب، وإنما أيضاَ لشعبٍ ينظر إلى بناته المبدعات بكل فخر واعتزاز، ويرى فيهن فارساتٍ مجليات، يحاربن بالقوة الناعمة في الصف الأول، ويحسنّ القتال في الخندق الأمامي.