عندما يُلهم الخراب الهوية الوطنية

عندما يُلهم الخراب الهوية الوطنية

12 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

الهوية الوطنية مثل المسْكن الداخلي، دافئة ورحبة. يتشارك نزلاؤها اليوميات والمصير، وكذلك التاريخ والطموحات. وإذا أردتَ أن تأخذ مثلاً عن هذا النوع من الهويات، فعليكَ بالفلسطينية. الفلسطينيون يتفوقون على باقي العرب بقوة هويتهم. أعني قوتها لدى الأفراد الفلسطينيين، وبصرف النظر عن انقسامهم السياسي الحادّ، أو عن تعثر تحرّرهم من الاحتلال الإسرائيلي.

وقد شاهدنا كلنا في الانتفاضة الفلسطينية أخيرا كيف نهضَ الفلسطينيون؛ لاجئون في مخيمات مبعثرة هنا وهناك، أو حاملو جنسيات مختلفة، أو انتماءات سياسية متناقضة... كلهم احتضنوا قطاع غزة في أثناء عدوان إسرائيل عليه، وأيدوا "حماس" التي كانت تضربها، متجاوزين بذلك طبيعة "حماس" الإيديولوجية، وقربها من محور الممانعة، فـ"حماس" تختلف عن حزب الله الذي لم يَعُد اللبنانيون يصدّقون أنّه يحارب إسرائيل، بعد انسحابها من جنوب لبنان عام 2000. تختلف "حماس" بديناميكية علاقتها بإسرائيل، ولا ترتهن بصراع إسرائيل مع إيران، على الرغم من تَشَكُّراتها الموسمية لها، وعلى الرغم من عملائها، وعددهم لا يفيض عن الحجم المعتاد لدى بقية الشعوب.

تختلف "حماس" عن حزب الله الذي لم يَعُد اللبنانيون يصدّقون أنّه يحارب إسرائيل

وهذه من تجليات الهوية، مهما بلغت من رمزية، أو من تجريد في بعض الأحيان. لكن على مستوى الطاقات التي يمكن أن تحشد لها، لا توجد هوية عربية أخرى قادرة أن تتجسّد في مواقف وطنية جامعة ضد العدو المشترك، كما هو حاصل مع الفلسطينيين. وهذه مفارقة ذات دلالة رمزية عالية: أنّ المحرومين من أرضهم، المشتَّتين، المبعثَرين في أقطار المعمورة، يملكون هوية متينة، بل هوية تعود وتتمكّن كلما تتعرَّض أراضيهم لمزيد من المصادرة على يد العدو الواحد نفسه، فيما الشعوب الواقعة تحت الاحتلالات المحلية "الوطنية" عاجزةٌ عن بلورة هويتها الوطنية. ما يعني أن حكامنا تفوّقوا على إسرائيل في مسألة تضييعنا وتفريقنا.

الآن، أغمض عينيك، وحاوِل أن تجيب عن السؤال: هل أنت لبناني؟ وبعد ذلك، بأي معنى أنت لبناني؟ فيكون جواباً بحسب الأجيال. وأظرفه: نعم أنا لبناني، لأنني عشتُ المرحلة "الذهبية" من لبنان، بين أواخر الخمسينيات وبداية السبعينيات. وقتها كنا، نحن اللبنانيين، منارة العرب. ثقافة، حرية، كتب، فنانون، مثقفون... إلخ. حاملو هذه الهوية هم مجرّد شهود. يغتبطون بها، ويرتاحون إليها عندما يودّون أن يضفوا عليها معنىً من المعاني. وعلى الرغم من ظرفهم، هم غارقون في النوستالجيا والحزن. وهم على كل حال قليلو العدد، وآخذون بالتضاؤل بفعل الموت.

عندما تندمج الطائفة بالمنطقة، تصبح هذه المنطقة هي الوطن بذاته

ثم بحسب الطوائف، وهو المعيار الذائع: نعم، أنا لبناني، بدليل محبتي أبناء طائفتي، وانشدادي إلى لحظاتهم "التأسيسية"، أو اللحظات التي شكّلت هويتي هذه. وخلافا لأصحاب "الأجيال"، يمكن لهذا الجواب أن يُلْبس مائة طائفة وطائفة، مائة انشقاق وانشقاق، مائة صورة وصورة. وطاقة كل هؤلاء على جذب زُمْرةٍ من الناس، وقدرة هذه الزُمْرة على إحالة كلّ منتمٍ إليها إلى عبودية عاطفية لا فَكاك منها... هذا كله يعمل بغير وجهة الهوية الوطنية الواحدة.

وعندما تندمج الطائفة بالمنطقة، تصبح هذه المنطقة هي الوطن بذاته. وبما أن الحروب العديدة أفرزت مناطق وقرى وأحياء "نظيفة" طائفياً، فإنّ تعشيق المنطقة بالطائفة يُفرز مزيدا من الطوائف الرديفة، أو أحيانا البديلة عن الأصلية، وحتى عن الفرعية... فيكون الحال على ما أصبحنا عليه من طوائف ومناطق ومدن وبلدات ومجموعات حزبية أو عشائرية أو قرَوية... هي بطلة "الساحة" المكوِّنة للهويات المتنازعة التي تضمها. لا تفسح لكَ الخيار، بين أن تنْضم إليها وألّا تنْضم. وفي الحالتين، لا تأمن جانبك. فأنتَ هنا صاحب هويةٍ خطرة، معرّضة للقتل للسرقة، للعطش أو الفقر والجوع، للتشرّد في المنافي والمهاجر.

خذْ من الأجواء بعض ذخيرةٍ صالحة لبناء هوية وطنية: انفجار المرفأ والاحتفال السنوي بمروره. كانت كتلة معتبرة من الطائفة الشيعية، أي الموالية لحزب الله، ممْتنعة عن المشاركة بها. في الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب اللبناني: لا إقفال ولا مسيرات. ولا حتى بيانات تضامن. وعندما تسألهم عن غيابهم عن هذا الحدث الوطني، المفترض أنه جامع، يجيبونكَ بأن هذا الحدث "مسيحي" لا يخصّنا. نحن ذقنا مرارات العدو الإسرائيلي من قصف وتهجير وطرد من الديار... ولم يتضامن معنا سائر أبناء الوطن الواحد. وهذه الواقعة "عدم التضامن" صحيحة، إلا في حرب تموز وبعدها، عندما أصبح حزب الله الآمر الناهي. وترسّخت سرديته عندما لاقى أكبر تضامن ممكن من اللبنانيين والعرب. بفضله، طغت "المظلومية" الشيعية على هذه الهوية الجزئية وتثبّتت حيثياتها (طغت "المظلومية" عندما تفوّق حزب الله على بقية الأحزاب الطائفية. مفارقة أخرى جانبية).

مهما شرّقتَ وغرّبتَ، يظل من يسألكَ "من أين جئتَ؟". وعندما تجيب من لبنان، يحلّ عليك الضباب الكثيف

في مقلب آخر، ليس بعيدا تماماً، وبين حزبين يُفترض بالأول أنه علماني والثاني "سيادي" غيور على الهوية اللبنانية... بين هذين الحزبين، كانت هوية حزبية - طائفية تعبّر عن نفسها بأريحيةٍ تامة. الحزبان خاضا الحرب الأهلية. وبمسؤولياتٍ متفاوتة: الأول، القوات اللبنانية، اليمينية المسيحية، بقيادة سمير جعجع، صاحب الذنوب الحربية الأهلية (وقد سُجِن بعيد الحرب لذنوب أخرى، وحيثيات أخرى). والثاني الحزب الشيوعي اللبناني بقيادة حنا غريب، الذي يختلف عنه بحجم مسؤولياته. المهم أنه في اليوم الذي شاركوا بإحياء الذكرى الأولى لانفجار المرفأ... في هذا اليوم المحسوب على الوحدة الوطنية ضد المافيا الحاكمة، تعاركا بالضرب والمولوتوف والسكاكين. وبصرف النظر عمّن يكون بريئاً أو آثماً، فإنّ الشعارين اللذين خاضا "معركتهما" هذه يعودان إلى مرحلة سحيقة، عمرها الآن نصف قرن، من عمر الحرب الأهلية. توقفت تظاهرة الحزب الشيوعي عند أسفل مكتب "القوات اللبنانية" في الجمّيزة، وأطلقت صرخات "صهيوني صهيوني سمير جعجع صهيوني". فيما القواتيون عايروا متظاهري الحزب الشيوعي بالعمل لمصلحة الفلسطينيين، لأن عددا منهم وضع على أكتافه الكوفية الفلسطينية. وكان لعدد منهم نصيب في الضرب والطعن بالسكاكين.

ما علاقة الهوية الوطنية بالحدثَين، أو بأمثالهما مما تضجّ به "الساحة اللبنانية"؟ إنّكَ لا تستطيع أن تبني هويةً فيما أنتَ لم تكتب بعد تاريخاً واحداً لهذه الهوية. عن حدثها "التأسيسي" أو المرجعي، المقْنع والمطمئن. والهوية هي بيتك الأول الكبير الذي يضمّ جمعاً ممن يشبهونك، من حيث البداية خصوصاً. حتى لو كنتَ في سابع سماء. ومهما شرّقتَ وغرّبتَ، سوف يظل هناك من يسألكَ "من أين جئتَ؟". وعندما تجيب من لبنان، يحلّ عليك الضباب الكثيف. لا تعرف كيف تفهم أنت معنى أنّك "من لبنان" أو كيف يفهمه غيرُك من اللبنانيين الذين طُرح عليهم السؤال نفسه. كيف يتخيّله. فأنت كلبناني، أو كأي إنسانٍ يجيب على الهوية، لستَ وحدكَ. إذا أردتَ لهويتك أن تتجلى، فعليك تقاسمها مع الآخرين. أما إذا لم يكونوا مرايا لك، فماذا يعني معناك للبنان؟ هل يكفي أن تشتاق لمن تركتهم هناك؟ أن تحب ترابه ومناخه وينابيعه وبحره وجباله؟ هل يكون الجمال الطبيعي من مقوِّمات الوطن؟ حتى بعدما قضت على هذه المقوّمات القلّاعات والمرامل والمجارير والمزابل والموتورات ومشاريع السدود الوهمية البشعة... لتُبنى على أنقاضها إمبراطوريات المافيا الحاكمة، الضليعة في المال و"الأعمال"؟ وبعد كلّ هذه المجازر بحق تلك الطبيعة الجميلة، ماذا يبقى من معنى للهوية اللبنانية؟ هل يكون الخراب ملْهمها؟