علاقات السيطرة في الساحة الفلسطينية

علاقات السيطرة في الساحة الفلسطينية

19 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

لا يقتصر تاريخ الشعوب على تاريخ الأفكار، بل هو تاريخ البشر الذين يصنعون هذا التاريخ، وتاريخ فئاتهم الاجتماعية المكونة لهذا الشعب أيضًا. لذلك، لم تكن التجربة الفلسطينية تحوّلات في الأفكار والمطالب السياسية فحسب، بل كان هناك دومًا بشر دفعوا أثمان تجاربهم وأثّروا فيها كما أثرت فيهم.

وحتى نفهم التجربة الفلسطينية وخصوصيتها، نحتاج إلى دراسة شبكة العلاقات بين البشر والأفكار التي شغلت الحقل السياسي الفلسطيني وما أثّرته فيهم، وما أثّروه فيها وتحولات الحقل السياسي ذاته؟ بحكم خصوصية تجربتها، عانت الساحة الفلسطينية من علاقات عنفٍ وتسلطٍ من نوع خاص، حيث تسلطت القيادات الفلسطينية على الشعب الفلسطيني من دون إمكانية أن يحاسبها هذا الشعب على أدائها السياسي، أو يؤثّر فيها وفي قراراتها. ويمكن القول إن حصة الشعب الفلسطيني من القرار السياسي الفلسطيني كانت متواضعة، إن لم نقل معدومة.

علاقات السيطرة ليست اقتصادية وسياسية واجتماعية وعنفية فحسب، بل هي علاقات قوة وسيطرة على المعاني والرموز أيضًا

قد يبدو هذا التوصيف مجافيا للحقيقة، لافتقاد القيادات الفلسطينية أدوات السلطة العنيفة الإكراهية، السجون، الشرطة، الجيش .. ولو أنها استخدمت هذا النوع من السلطة على أجزاء من الشعب الفلسطيني في بعض المراحل، خصوصا مع تجربة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. لكن في علاقات السيطرة ليس من الضروري أن يأخذ العنف شكلًا سافرًا، عبر القمع الدموي، فقد بتنا اليوم ندرك بفضل علم الاجتماع أن هناك "عنفًا رمزيًا" لا يقل خطورةً عن العنف السافر، وقد تمّت ممارسة "العنف الرمزي" فلسطينيًا على نطاق واسع. وكان الأسلوب الأكثر جدوى للتحكّم في مجتمعاتٍ ليس للقيادة الفلسطينية سيطرة مباشرة عليها، حيث تحلّ الهيمنة على الحقل السياسي والقدرة على ممارسة العنف الرمزي بديلًا عن ممارسة العنف السافر. وهذا ما جرى فلسطينيًا، فبدلًا من استخدام أشكال العنف السافرة، والتي لم تكن ممكنة في الساحة الفلسطينية قبل تجربة "أوسلو"، أي أشكال العنف الممأسسة للسلطات القائمة، فقد تم استخدام أشكال العنف الرمزية أو الخفية، حيث استطاعت القيادات الفلسطينية اختراق التجمعات الفلسطينية بعلاقات الهيمنة والسيطرة من بعيد، بواسطة ممارساتٍ متعدّدة الأشكال، وفّرت لها سلطة على التجمعات الفلسطينية. حيث وفر لها احتكار "الوطنية" على الصعيد الفلسطيني، ودورها النضالي في الحفاظ على المشروع الوطني الفلسطيني، القدرة على ممارسة "العنف الرمزي" بشكل منظم وفعال، وجعلها قادرةً على التأثير في التجمعات الفلسطينية جميعًا.

أعطى هذا الوضع للقيادة الفلسطينية إمكانية التأثير بسلطتها الرمزية في الآخرين، من خلال إخراجهم وطردهم من هذا الحقل الوطني في أوقات الخلاف معهم، باعتبارهم ضد الحقوق الوطنية الفلسطينية وعملاء لجهات معادية أو للعدو الإسرائيلي. وهي بذلك مارست أنماطًا مختلفة من السلطة على التجمعات الفلسطينية، من أجل تأكيد سيطرتها، كسيطرة مشروعة. كانت هذه السيطرة مهمةً لهذه القيادات بقدر ما تؤمن ممارسة السيطرة "بلطف"، إذا صحّ التعبير، لعدم خضوعها لسلطتها الإكراهية، فالعنف يمارس بشكل خاص في "الحقل الرمزي"، ولكنه عنف فعّال، فعلاقات السيطرة ليست اقتصادية وسياسية واجتماعية وعنفية فحسب، بل هي علاقات قوة وسيطرة على المعاني والرموز أيضًا، وبذلك تكون السلطة التي استخدمتها القيادة الفلسطينية هي التي تعني "القدرة على فرض الإرادة على الغير".

بعد انكشاف حركة فتح، لم ينجح عباس في توحيدها استمرارا لخط كفاحي، بل تعامل معها كإقطاعيات سلطوية مصلحية

من أجل إعطاء السلطة معناها الرمزي حتى مداه، دعمت القيادات الفلسطينية منظمة التحرير "ممثلا وحيدا" للفلسطينيين، بوصفها تنظيمها البيروقراطي الذي يوفر لها أدوات السيطرة الرمزية بشكل أساسي، إضافة إلى فصائلها الخاصة. ولأن كل تنظيم بيروقراطي هو نسق تنظيمي يقوم على آليات توازن، وعلى وجود سلسلةٍ من الحلقات المستقرّة نسبيًا، وتتم تقويتها في مناخٍ من التعميم والمركزية. وفي هذه المناخات، يتبارى الأفراد في خدمة التنظيم من خلال خدمة الفرد الذي يقرّون له بالولاء، ويساهمون بتكريس سلطة الفرد من خلال هذا الولاء، والذي يشكل الأصول الحقيقية للعلاقة بين القائد والكادر. وضمن هذا المنظور الاستراتيجي للعلاقة بين القائد والكوادر، ينبغي النظر إلى السلطة في التنظيمات الفلسطينية وكأنها ملكية شخصية. ومن هنا، لا يمكن للجميع الوصول إلى معطيات القوة تنظيميًا في التجربة الفلسطينية، منظمة وفصائل فحسب، بل هي حصرًا لصاحب الملكية لهذا المنصب، الرئيس أو القائد العام أو الأمين العام. وبالتالي، يبقى توازن القوة على حاله، فليس من الجديد القول إنها علاقات قوة، وعندها لا تكون تبادلية، فإنها قوة ينال أحد الأطراف فيها أكثر من الطرف الآخر، بحيث لا يفقد منصبه أبدًا، خصوصا منصب الرجل الأول. وهذه العلاقات هي التي حكمت منظمة التحرير في ائتلاف فصائلها، كما حكمت السلطة الفلسطينية منذ ولادتها.

استمرت هذه الصيغة فعّالة طوال التجربة الفلسطينية قبل "أوسلو"، وبعدها مع سيطرة ياسر عرفات على الحقل السياسي. لأن هذه السيطرة أتت فعليًا من تمثيله المشروع الوطني الذي عبّرت عنه منظمة التحرير، بوصفه مشروعًا تحرّريًا للفلسطينيين. لكن مع السلطة الفلسطينية واتفاق أوسلو، ومع غياب عرفات الممسك بخيوط السيطرة، والمقرّ له بالدور المركزي في الحقل السياسي الفلسطيني، اختلّت معادلات السيطرة. وباتت، مع انتقال السلطة إلى محمود عباس، تفتقد إلى مشروعية كفاحية، عبّر عنها عرفات حتى بعد اتفاقات أوسلو التي اعتبرها (بصرف النظر عن تقديرنا لمفاعيل "أوسلو" في الواقع الفلسطيني) مدخلًا لاستعادة الحقوق الفلسطينية. لم يملك محمود عباس لا المكانة السياسية ولا تاريخ عرفات الكفاحي، ما أفقده القدرة على السيطرة الرمزية على الحقل السياسي الفلسطيني، وباتت سلطته فجّة، غير قادرة على الإمساك بـ"السيطرة الرمزية" في الساحة الفلسطينية. وجاء تفكّك سيطرته عبر تحدّيين: خارجي، عبرت عنه حركة حماس التي تحولت إلى تحدٍّ سلطوي بعد فوزها بأغلبية انتخابات المجلس التشريعي في انتخابات العام 2006. وتحدٍّ داخلي، من عدم قناعة قيادات حركة فتح ذاتها بقيادة عباس وافتقاده الكاريزما والمكانة التي امتلكها عرفات، ما جعل أداء "فتح" في الصراع للسيطرة على غزة مع حركة حماس باهتًا، وسرعان ما خسرت الصراع، لتخرج من غزة.

"السيطرة الرمزية" التي استندت إلى المشروع الكفاحي في الوصول إلى الحقوق الوطنية تفكّكت بتفكّك المشروع الوطني الفلسطيني

وبعد انكشاف حركة فتح، لم ينجح عباس في توحيدها استمرارا لخط كفاحي، بل تعامل معها كإقطاعيات سلطوية مصلحية. وهذا ما زاد التحدّي له داخل حركة فتح، إذا جاء ذلك في الانتخابات السابقة عبر الترشّح خارج قائمة الحركة، والتي كانت السبب الرئيسي في هزيمة "فتح" في الانتخابات السابقة لتشتت الأصوات، ما صب في مصلحة "حماس" وحصولها على أغلبية المقاعد في المجلس التشريعي. واليوم، يأتي التحدي بالدعوة إلى قائمة انتخابية أخرى لحركة فتح في مواجهة قائمة عباس. ما يدلّ على مزيد من التفكّك ليس داخل حركة فتح، بل في الحقل السياسي الفلسطيني، الذي لم ينتقل من "السيطرة الرمزية" السابقة إلى السيطرة الفعلية عبر مؤسسات الدولة، لسبب بسيط أن السيطرة الفعلية على الأرض بقيت لإسرائيل.

يمكن القول إن "السيطرة الرمزية" التي استندت إلى المشروع الوطني الكفاحي في الوصول إلى الحقوق الوطنية تفكّكت بتفكّك المشروع الوطني الفلسطيني ذاته، ولم يتم إنتاج سلطة مؤسسية بديلة. ما يعني أن الانتخابات المقبلة (إن تمت)، التي يُراد لها أن تكون تجديدًا لشرعية السلطة، ستكون عامل تفكيك إضافيا، في حال حصولها في الشروط السياسية والتنظيمية للساحة الفلسطينية.