عابر الأمزجة .. الحبيب السالمي

عابر الأمزجة .. الحبيب السالمي

15 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

ما الذي يمكن أن يعنيه وصول ثلاثٍ من خمس رواياتٍ للتونسي، الحبيب السالمي، أصدرها بعد إطلاق الجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر) إلى القائمة القصيرة لهذه الجائزة؟ وما الذي يمكن قولُه عن "استعصاء" أن تُحرز أي منها الجائزة الأولى؟ وما الذي يجعل روايته الحادية عشرة "الاشتياق إلى الجارة" (دار الآداب، بيروت، 2020) تدخل قائمة "بوكر" في دورة العام الحالي 2021، ثم تكون واحدةً من الروايات الخمس الفائزة بجائزة كتارا للرواية العربية، المعلنة أول من أمس الأربعاء؟

قبل الاجتهاد في الإجابات، ليست الجوائز، عربيةً وغير عربية، معيارَ القيمة الأعلى للحكم على تميّز نصٍّ أدبي تم تكريمه بهذه الجائزة أو تلك، فيحدُث كثيرا منح جوائز رفيعة لأعمالٍ متواضعة. وأول القول ومُختتمه بشأن رواياتٍ غير قليلةٍ للحبيب السالمي إنها تستحقّ التكريم، وقبله وبعده، التنويه النقدي، المُحتفي بالذائقة بدايةً ونهايةً، والذي أظنّه سيؤشّر إلى حرفيّة كاتبها في إبداع فائض البساطة فيها. ولمّا كانت الجوائز، غالبا، وبداهةً ربما، تعبيرا عن أذواق المحكمّين في لجانها، فأظنّ (عذرا للتكرار) أن رهافة البساطة، والتي يحضُر فائضٌ غزيرٌ منها في سردٍ بالغ التلقائية، جذّابٍ وشائقٍ، ماكرٍ ومراوغٍ في غلالات فكاهةٍ باديةٍ وخافية، هي بالضبط التي راقت لأمزجة 15 محكّما في ثلاث لجانٍ من نحو عشرة بلدانٍ عربيةٍ، فأجمعوا على إعجابٍ بها، تبدّى في استحقاقها أن تكون في القوائم القصيرة الثلاث. أما أنهم لم يروا في أيٍّ من الروايات الثلاث ما يُجيز لها الجائزة الأولى، فظنّي الثالث هنا أنه، إلى جانب أن رواياتٍ أخرى لكتّاب آخرين رأوها أكثر جدارةً، وهذا طبيعي، فإنهم ربما "تهيّبوا" من تصعيد "روائح ماري كلير" (2008) أو "نساء البساتين" (2010) أو "الاشتياق إلى الجارة"، إلى الجائزة الأولى، بالنظر إلى أنها رواياتٌ منشغلةٌ بشؤونٍ صغرى، بهموم فردانيةٍ محضة، بمشاعر عارضةٍ وظلالها. ليس في هذه الأعمال احتدامٌ درامي ولا "قضايا كبرى" ولا أسئلةٌ وجودية، والحبيب نفسُه يرى الأحداث في كل عمل فني كبرى. لا مغامرات سردية تجريبية فيها. تكنيكاتها من المألوف، ليس ثمّة انشغالٌ خاصٌّ بطرائق الحكي وكيفياته، وإنما بالحكي نفسه، وتتابعه بتتابع مسار الحكاية نفسها، ما قد يورّط هذه الروايات بشيءٍ من "التقليدية". ربما الأمور الثلاثة هذه ما أبعدت أيا من الروايات الثلاث عن "بوكر" الأولى.

كما زملاء لهم في "بوكر"، اختار محكّمون آخرون في "كتارا" التي تنافس في دورتها السابعة 655 رواية منشورة (هل قرأوها كلها؟) "الاشتياق إلى الجارة" بين الخمس الفائزات، ما يؤكّد أن روايات الحبيب السالمي، عابرة للأمزجة، منذ "جبل العنز" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1988). مذاقها خاص، سردُها متمهّل، واللغة متقشّقة فيها، تنأى عن الإسراف في التصوير والمجاز والشعري، (الحبيب ينتقد "أوراما لغويةً" في أعمالٍ عربيةٍ عديدة). سيان، كانت فضاءاتُها في الريف التونسي، كما "أسرار عبدالله" (2005) و"بكارة" (2016)، أو في مناخاتٍ باريسية، موشورةٍ بمشاعر الاغتراب وسؤال الهوية، كما "روائح ماري كلير" و"حفر دافئة" و"عواطف وزوّارها". وقبل محكّمي الجوائز، ثمّة القارئ العربي الذي يقع، في روايات الحبيب السالمي، على أحاسيس كثيرة يغالبها، وعلى ما قد يعبُر في حشاياه ومداركه وخواطره وأخيلته وجوارحه من أسباب القلق والحيرة في شؤونه. والحبيب، الباريسي الإقامة منذ عقود، حريصٌ على هذا القارئ، ولا يرى في اقتراب بعض أعماله من موضوعاتٍ لها حساسيّتها في المعيش والمتخيّل العربيين استمالةً لمستشرقين ومستعربين. ولمّا كتب روايته "بكارة"، الباهظة الجاذبية، الفريدة عن حقّ في ملامسة المشاعر الجوّانية والتباسات التكاذب والتعمية على الأحاسيس والشهوات، فإنه لم يكن منشغلا بتعريفٍ، متعينٍ في ذهنه، عن ريفٍ تونسي فيه أولئك الشخوص الحيارى في الرواية، الثمينة القيمة عند أي قارئ عربي، العابرة مختلف الأمزجة، كما "نساء البساتين" التي بسط السردُ فيها، المنشغل بالبسيط في اليومي العادي، أجواء كابوس سياسي وبوليسي في تونس، كما "روائح ماري كلير" التي مثّلت احتفاء بعواطف حبٍّ قلق بين فرنسية وتونسي مغترب. كما "الاشتياق إلى الجارة"، الرواية الشفيفة التي حضرت فيها براعةٌ عاليةٌ في التعبير عن مشاعر حبٍّ خافتة، تجوس في جوانح تونسيٍّ آخر، لعلّه، وهو الراوي المتكلم، أمكنه أن يُحرز تفهّم أمزجةٍ في "بوكر" و"كتارا" مزاجَه.