صمود المشيشي في تونس

صمود المشيشي في تونس

04 ابريل 2021
الصورة

رئيس الحكومة هشام المشيشي في مؤتمر صحفي في تونس (16/1/2021/Getty)

+ الخط -

بعد شهرين من أزمة التعديل الوزاري في تونس وتداعياتها، وما أفضت إليه من انسداد سياسي واجتماعي حاد، وجدل شغل الطبقة السياسية بكل مكوناتها، وخلافا لكل السيناريوهات التي وضعت هشام المشيشي وحكومته أمام حتمية الرحيل، أظهر الرجل قدرة فائقة على مواجهة ترسانة الصعوبات والاشتراطات التي كادت أن تعصف ببقائه في موقعه، علاوة على شهوة التونسيين، نخبا وسياسيين، التي أصبحت سمتهم الأبرز منذ اندلاع ثورتهم، في تغيير الحكومات. خلافا لذلك كله، استطاع المشيشي أن يحوّل مجرى العاصفة لصالحه، سالكا مساريْن، أولهما التعجيل بالمضي في مسار سياسي عنوانه "الحكومة المصغرة"، وآليتها تكليف وزراء بالنيابة لسد الشغورات، بدلا من الذهاب إلى الخيار الذي كان متوقعا، وهو تعيين الوزراء الجدد، والذين نالوا ثقة البرلمان، ورفض رئيس الجمهورية قيس سعيد استقبالهم لأداء اليمين الدستورية أمامه، بذريعة أن المشيشي "خان العهد وخالف جوهر التعاقد" معه الذي اختاره شخصيةً أقدر لتشكيل الحكومة، فأجرى بعد خمسة أشهر من تكليفه تعديلا وزاريا شمل ثلث أعضاء الحكومة، واستهدف أساسا الموصوفين بأنهم "وزراء الرئيس" أو "وزراء مديرة ديوانه نادية عكاشة".

وبالتوازي مع هذا المسار الأول، سارع المشيشي إلى عقد لقاءات ماراثونية مع الحزام البرلماني لحكومته، والمكون أساسا من حركة النهضة وحزب قلب تونس وائتلاف الكرامة وكتلة الإصلاح، معلنا تبنّي الحكومة برامجها واستعدادها للعمل على إنجاحها. وفي سياقات تعثر مسار الحوار الوطني الذي اقترحته المركزية النقابية (الاتحاد العام التونسي للشغل) على رئيس الجمهورية الذي أعلن شكلا مغايرا وصورة أخرى للحوار، يوجه على أساسها للفئات الشبابية من دون المكونات السياسية من أحزاب وشخصيات فاعلة وحكومة، فتح المشيشي مجالا رحبا للتنسيق مع المنظمات الاجتماعية الفاعلة، وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، توّج بإبرام ثلاثين اتفاقية تهدف إلى تحسين مناخ الاستثمار، وتهدئة الاحتقان الاجتماعي في المركز والأطراف، خصوصا ما اعتبر إنجازا تاريخيا بإمضاء الحكومة واتحاد العمال اتفاقا على خطة إصلاح سبع مؤسسات عمومية كبرى، ومراجعة المنظومة الجبائية ومنظومة الدعم، وهو اتفاق كان نتاج مشاورات أطلقتها الحكومة مع شركائها الاجتماعيين، بهدف الوصول إلى توافق على خطة الإصلاح الاقتصادي، وفق ما يطالب به صندوق النقد الدولي الذي طالب الحكومة بخطة إصلاح اقتصادي، تكون محل توافق معلن مع الشركاء الاجتماعيين، شرطا أساسيا لمضي المؤسسات المالية الدولية، وأبرزها صندوق النقد الدولي، في مساعي تعبئة موارد مالية لسد عجز الميزانية.

أصبح المسار السياسي للحوار منفصلا عن الاقتصادي والاجتماعي، ما مكّن حكومة المشيشي من امتصاص الوضعية الصعبة للمالية العمومية، متجاوزة بذلك المنطقة الحمراء الخطرة

ويرى متابعون مهتمون بالشأن السياسي أن أهمية هذا الاتفاق تكمن خصوصا في المعنى السياسي الذي يقدمه، وأبرز انعكاساته "فصل مسارات الحوار الوطني المنتظر"، فبعد أربعة أشهر على تقديم المركزية النقابية لرئيس الجمهورية (الاتحاد العام التونسي للشغل) مبادرتها لإقامة حوار وطني سياسي واقتصادي واجتماعي، قابل قيس سعيد هذه المبادرة بالصمت أولا، ثم التذبذب، وأخيرا بإعلان قبول مبدأ حوار وطني، يؤثثه الشباب، ما جعل المنظمة النقابية تسحب الجزء الأهم من الملفات التفاوضية الاقتصادية والاجتماعية من الحوار، وقد نجحت في الوصول إلى توافق "معلن" مع حكومة المشيشي بشأنها. وبذلك أصبح المسار السياسي للحوار منفصلا عن الاقتصادي والاجتماعي، ما مكّن حكومة المشيشي من امتصاص الوضعية الصعبة للمالية العمومية، متجاوزة بذلك المنطقة الحمراء الخطرة.

وفي ضوء ذلك، سيكون الحوار الوطني، إن تم، مقتصرا على ملفات تقنية بحتة، كالقانون الانتخابي والنظام السياسي برمته، وهي ملفات للبرلمان اليد العليا فيها، وفي إمكانه أن يدير حوارا بشأنها من دون الحاجة لرئيس الجمهورية ومؤسسة الرئاسة. وبمعنى آخر، لم يعد الحوار الوطني اليوم بإشراف رئيس الجمهورية من أولويات البلاد العاجلة. وبذلك يخرج قيس سعيد من زمن اللحظة السياسية التونسية الراهنة، فاقدا كل قدراته على استعادة المبادرة، وراميا بكل أوراق الضغط التي كان يدير بها معركته مع المشيشي وحكومته، والبرلمان ورئيسه راشد الغنوشي، والأحزاب والكتل المعارضة له، والتي ما فتئت تراكم بيانات ومواقف تمسّكها بالمشيشي وحكومته.

وقد أصبح جليا في الداخل والخارج أن الرئاسة، بسبب إهدارها وقتا فائضا، وعدم حسمها في الأثناء موقفها من مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل، لتبنّي حوار وطني يشرف عليه رئيس الجمهورية، فقدت كل إمكاناتها للتأثير والتغيير في المشهد السياسي، ما أطال في عمر أزمة التعديل الوزاري، وعقّد نتائجها وجيّش دعوات إسقاط الحكومة، وأدخل إرباكا على حزبي التيار الديمقراطي وحركة الشعب وبعض المستقلين المساندين لرئيس الجمهورية، والذين ما فتئوا يراهنون على فشل الحكومة، وإعادة المبادرة إلى رئيس الدولة، وتسريب أسماء قيادات من هذه الأحزاب لخلافة المشيشي.

الدعوات إلى إطاحة الحكومة، والتي يطلقها قيس سعيد ومساندوه، أشبه حالياً بعملية انتحارية

وفي المحصلة، يمكن اعتبار صمود المشيشي وعبور حكومته النهر قد أصبحا في المشهد التونسي معطيين واضحين، يؤكدهما تقدير البرلمان والمركزية النقابية أن الظرف غير مناسب لإقالة الحكومة، وإن من شأن ذلك أن يعمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، ويعطل أداء الدولة ومؤسساتها، ويبعث رسائل سلبية إلى الجهات المانحة. في ظل ظهور موجات جديدة لجائحة كورونا، وإطلالة الإرهاب برأسه من جديد، في بعض المناطق الحدودية. ويجري ذلك كله مع تسارع الأحداث بخصوص انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية، وما يعنيه ذلك من الحد من "فتاوى" قيس سعيد وتأويلاته الدستور، بما يعيده إلى المربع "الضيق" لصلاحياته، ويتيح للحكومة مجالا أرحب، لإطلاق مبادراتها، والمضي في تنفيذ تعهداتها مع الداخل والخارج، ومنها على وجه الخصوص تسديد أقساط قروض تناهز 16.8 مليار دينار وتعبئة 19 مليار دينار، لضمان التوازنات المالية، واستحثاث نسق الإصلاحات الاجتماعية ذات التأثير المباشر على الواقع المعيش للتونسيين..

ومهما يكن من أمر، وتأسيسا على ما سبق، فإن الدعوات إلى إطاحة الحكومة، والتي يطلقها قيس سعيد ومساندوه هي أشبه حاليا بعملية انتحارية ستكون عواقبها على البلاد والعباد. وصمود المشيشي وحكومته أمام العواصف العديدة التي واجهتها أصبح واقعا ظاهرا للعيان. ويمكن القول إن مؤشرات عديدة تؤكد استقرارا قادما للحكومة، وانفراجا قريبا للأزمة السياسية التي تشهدها تونس منذ أكثر من شهرين.