شغب الصيصان

20 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

أحاول الخروج من مزرعة حيوانات جورج أورويل فأخفق، ربما لأنني أتذكّر مصير "بوكسر" الحصان الذي أودى به تمرّده، وخرج من المزرعة مكبّلاً فاقدًا فحولته. وفي المقابل، أتعمّد نسيان اسم الخنزيرين اللذين شغلا منصبًا "مهمًّا" في المزرعة؛ أو هكذا كانا يعتقدان، عندما أوكلت إليهما مهمة تذوق وجبات الخنزير الطاغية "نابليون" قبل تقديمها إليه؛ لقطع الطريق على كل من يحاول تسميمه؛ إذ سيكفيه هذان "الموظفان" عناء التجربة، حتى ولو كان الثمن حياتهما.

على جهةٍ مقابلة، حاولت الخروج من المزرعة العربية أيضًا بأقل الخسائر، خصوصًا عندما حاولت استعادة اسمي نظامين عربيين، تنطّحا للعب ما يشبه الدور السابق، أخيرا، حين وضعا مصير بلديهما وشعبيهما، وقودًا لتجربة التطبيع مع الكيان الصهيوني، خدمة لـ"نابليون" آخر، يرمي لتحقيق الهدف ذاته. ولكن بعد أن يترصّد نتائج التجربة ومخرجاتها عبر فأري التجارب اللذين زجّهما لتعبيد الطريق أمامه. بوضوح أكبر، لستُ من رهط المقتنعين بأن في وسع بلدين صغيريْن أن يتخذا منعطفًا مصيريًّا كهذا من دون حصولهما المسبق على بطاقة خضراء من أنظمة أضخم منهما بكثير.

تتوطّد القناعة أزيد، إذا علمنا أن الإمارات والبحرين هما، أساسًا، عضوان في مجلس تعاون تجمعه سياسات مشتركة، وأهداف استراتيجية بعيدة المدى، ومن ثمّ لا يسعهما الخروج على هذه السياسات من دون تنسيق مع "الشقيقة الكبرى" السعودية التي نعلم، علم اليقين، ما يمكنها أن تقترفه إن لم تكن راضية عن فعل أحد "صيصانها" المحيطين بها. ولعل في تجربة الربيع البحرينية قبل سنوات ما يعزّز هذا الرأي، فقد رأينا كيف انتشرت قوات ما تسمى "درع الخليج" كالجراد في طرقات المنامة، لا لتصدّ عدوانًا خارجيًّا، بل "عدوانًا" داخليًّا من شعب "مذنبٍ" بحلم حرية صغير بحجم جغرافيته.

ليس في وسع أي دولةٍ تسبح في مجرّة الجزيرة العربية أن تتخذ مدارًا يخالف مشيئة الرياض؛ لأسبابٍ شتى أقلّها أن السعودية، تحديدًا، ذات حساسيةٍ مفرطةٍ حيال مجالها الحيويّ المحيط بها، وتدفع أموالًا طائلة للحفاظ على "نقائه" خالصًا لها، وبما يلبي سياساتها، مثلما هي على استعداد لتشكيل أحلاف عسكرية ضخمة لتأديب من يخدش هذا النقاء، كالحلف الموجّه إلى اليمن، وكالحصار الذي قادته بمعيّة "صيصانها" ضدّ قطر. ولم تتورّع، في منتصف القرن الماضي، عن الدفع بكلّ ثقلها العسكري لمواجهة جنود جمال عبد الناصر في اليمن، دفاعًا عن نظام يدين لها بالطاعة، ولا عن عقد تحالف أضخم نهاية القرن ذاته ضد العراق، الذي حاول نظامه السابق اللعب بنار هذا المجال الممنوع.

لهذه الأسباب وسواها، من الصعب أن نزدرد الموقف السعودي "المحايد" حيال قفزة الإمارات والبحرين "الحليفين" في أخدود التطبيع مع إسرائيل، على الرغم من تصريحاتها الدبلوماسية التي حاولت فيها النأي بنفسها عن هذا التوجه، ما لم تستجب إسرائيل لـ"المبادرة العربية" التي هي اقتراح سعوديّ خالص، جاء لسدّ باب الذرائع ليس إلا ذات قمة عربية تشبه القاع. ففي وقتٍ كانت الخارجية السعودية تدلي بهذا التصريح، كان ثمّة تشويش سبّبه عبور أول طائرة "سلام" إسرائيلية مجالها الجوي في طريقها إلى أبوظبي، وبتصريح رسميّ منها.

خلاصة القول، تريد السعودية التطبيع، وعلى عجل هذه المرة، لاقتناص فرصة انتكاسة الربيع العربي وتعميقها في جذر الروح العربية، قبل أن تعاود التفكير بثورات جديدة، ولأن مثل هذا التطبيع أصبح شرطًا لتحقيق طموحات ولي العهد الاقتصادية ومشاريعه الضخمة التي تعهد بها، والقابلة لجرف و"تقطيع" كل من يقف في طريقها. غير أن "الحذر واجب"، ويلزمه تقديم قرابين أولية، تُنتزع من "مزرعة الصيصان"، وتخضع لتجارب تطبيعية، حتى وإن كانت معلومة النتائج مسبقًا؛ لأن الهدف الأساس أن تمهّد الطريق للجدّة الكبرى التي ستتذرّع بأن ثمّة من "صيصانها" المشاغبين من سبقها، وما تطبيعها غير "تحصيل حاصل"، أملته ظروف "الوحدة" و"العزلة" أو ربما للحدّ من نزق "الصيصان".. إلخ.

هما قصتان متماثلتان، غير أن ثمّة رهانًا على اختلاف مصائر الحصانين بين المزرعتين، فنحن نعلم جيدًا نهاية "بوكسر"، لكننا على ثقةٍ بأن الحصان العربي في المزرعة الأخرى استوعب الدرس جيدًا، ولن يقبل مصير سلفه.