سقطة "إخوان" البحرين

21 سبتمبر 2020
الصورة

امتنعت جمعية المنبر الوطني الإسلامي، في البحرين، المنتسبة إلى التنظيم العالمي (وليس الدولي) للإخوان المسلمين، الذراع السياسي لجمعية الإصلاح (الدعوية، المعلنة في 1948)، عن مشاركة 17 جمعية ونقابة ورابطة و.. في البلاد، متنوّعة الألوان القومية واليسارية والليبرالية (بعضها قريبٌ من السلطة)، في التوقيع على بيانٍ أكّد رفضا قاطعا لاتفاقية العلاقات الكاملة مع إسرائيل. وآثرت الجمعية، المعلنة في العام 2002، إصدار بيانٍ، مشتركٍ مع ثلاث جمعياتٍ أخرى، سلفيةٍ ووسطيةٍ، لا يتزيّد واحدُنا في نعته تأييدا للإتفاقية الشائنة، عندما لم يرفضها. وانكتب فيه أن الجمعيات الموقّعة عليه "لا تُنازع القيادة السياسية حقّها في الاجتهاد في اتخاذ المواقف السياسية بالتنسيق مع السلطة التشريعية". واكتفى بأن هذه المواقف "لا تمنع حق الشعب البحريني في مقاطعة كافة أوجه التطبيع والتعامل التجاري والثقافي والسياحي.." وذلك "في إطار الدستور والقانون". ولم يبالغ من نعتوا البيان المذكور بأنه صادم، سيما وأنه يغاير ما دأبت على إصداره الجمعية، الإخوانية، من بيانات تنديدٍ بإسرائيل، وتضامنٍ مع الشعب الفلسطيني، ورفض الإتفاق الإماراتي الإسرائيلي أيضا. ومرجّحٌ إنها صحيحةٌ الأخبارُ أن قياداتٍ في "الإخوان المسلمين" في غير بلد عربي بعثوا إلى "إخوانهم" في المملكة الخليجية استياءهم الشديد مما خالفوا فيه المنطوق العام للجماعة في عدم التهاون بصدد أي شكلٍ من العلاقات مع العدو الإسرائيلي (لم يتضمّن البيان هذه الصفة لإسرائيل)، غير أنه ليس مؤكّدا أن الجمعية البحرينية تنوي الإعلان، في غضون أيام، إخراج نفسها من التنظيم العالمي، دفعا لحرج الآخرين، ونأيا بنفسها عن حسابات الخارج.
ولا يسعُ واحدَنا في تفسير سلوك "المنبر الوطني الإسلامي" (دعْك ممن معها) غير أنه آثر تغليب مصالح فئوية (نتحرّز من القول إنها طائفية) على المبدئية في قضيةٍ مركزيةٍ، كان الظن أنها جامعة، وأعلى من أي حساباتٍ جزئيةٍ وظرفيةٍ. والمشهود، في تفاصيل أخرى، أن "إخوان" البحرين لم يساندوا، بالمدى المطلوب، أي توجهاتٍ إصلاحيةٍ دستوريةٍ وقانونيةٍ في بلدهم، ولم يعملوا على شقّ معابر التواصل مع المعارضة التي انطبعت أجسامٌ رئيسيةٌ فيها بميسم شيعي (بعضُها موتور ومتوتر)، بهدف بناء منظورٍ وطنيٍّ عام، ينقذ البحرين من البقاء في دائرة التأزّم. كما إنهم لم يعمَدوا يوما إلى "مناصحة الحاكم بكل الوسائل المشروعة لما فيه خير الدين والوطن"، على ما تنطق به أدبيات الجمعية في مظانّها الأولى، وإنما داهنوا الحاكم، في غير شأن، من قبيل الإصطفاف إلى جانبه في صراعٍ داخليٍّ في البلد، بين الحكم و"مظلومياتٍ" محقّة وأخرى مفتعلة، كان في مقدور حكماء وعاقلين أن يطوّقوه، لو راحت جمعية المنبر الوطني الإسلامي، مثلا، إلى وجهةٍ أخرى غير التي شوهدت في "مناصحتها" المعلومة.
دعْك من حكاية "عدم التنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره"، في البيان المستهجَن (المستنكر على الأصح)، وانظر في قوله إن "القضيّة الفلسطينيّة هي لبّ الصراع بالنسبة للشعب البحرينيّ، وهي قضيّة محوريّة لإحلال السلام في الشرق الأوسط، المبني على مبادرة السلام العربية، باعتبارها الحدّ الأدنى لتحقيق السلام في الشرق الأوسط". هذه، لعمْري، ليست لغة إخوانٍ مسلمين. ولا يمكن حسبان الجهر بها براغماتيةً من الجمعية البحرينية تماثل مشاركة الإخوان المسلمين في العراق (الحزب الإسلامي) مجلس الحكم، بقيادة بول بريمر، غداة الغزو الأميركي إياه. ولا تشبه انتصار حزب التجمع اليمني للإصلاح للرئيس علي عبد الله صالح في غير أمر. ولا أيضا لعب السياسة، الناجح وغير الناجح، الذي تسلكه حركة حماس في فلسطين. وإنما الحال أن الإخوان المسلمين في البحرين، بالذي فعلوه في البيان النافر، يخرُجون عن "الإخوانية" وأدبيّاتها. .. تُرى، هل آثروا الانتصار للملك والسلطة على مماشاة يساريين وقوميين، ومعارضين شيعة، وتُقدّم هذا على مبدئية قضية فلسطين؟ أم أن السقطة هذه واحدةٌ من فواتير مستحقّة الدفع لامتناع السلطة عن حسبان جماعة الإخوان المسلمين (في البحرين) إرهابية؟ سبعة نواب في انتخابات برلمان 2002 ومثلهم في برلمان 2006 ثم نائبان، ثم لا أحد في برلمان 2018. ووزراء عابرون لم يبق منهم أحد. هذا بعض حصاد التحالف مع السلطة، في طوْرٍ مضى.. تُرى، أيّ ثمارٍ مرّةٍ سيقطفها "الإخوان" البحرينيون من المكوث في حضن النظام المتحالف مع إسرائيل، بعد البيان المعيب؟