رمضان وإبريل وأشياء أخرى

رمضان وإبريل وأشياء أخرى

19 ابريل 2021
الصورة

تهنئة حركة 6 إبريل بشهر رمضان (صفحة الحركة/ تويتر)

+ الخط -

(1)
يتزامن شهر إبريل/ نيسان هذا العام مع شهر رمضان المبارك، ورمضان هو الشهر الذي ينتظره الجميع من العام إلى العام، وله في مصر طقوس خاصة، ويحتفل به الجميع، المسلمون بالطبع، حيث يؤدّون فريضة الصيام، بالإضافة إلى صلاة التراويح والتهجّد وقراءة القرآن. ويعيش المسيحيون في مصر الأجواء نفسها المستمدّة من الثقافة والعادات الإسلامية، وتكون هناك حالة عامة بالفرحة بذلك الشهر الكريم وطقوسه. ويعيش الجميع الأجواء نفسها، المسلمون والمسيحيون، المؤمنون وأيضاً غير المؤمنين، لكن جميعهم يعيشون الأجواء نفسها المرتبطة بالتراث الإسلامي.
ويأتي رمضان بعد رمضان، وتبدأ الأسر في الاستعداد للشهر الكريم، وفي مصر يختلف الاستعداد، حيث يعتبر الشهر هو شهر الاجتماعيات والزيارات العائلية والمودّة والإفطار الجماعي، ويجتمع الأهل والأصدقاء والأحبة. ولذلك يكون ذلك الشهر شاقاً ومؤلماً لكل من له فقيد أو غائب، وتحديداً كل أسرة أو عائلة لها معتقل، شهر شاقّ على الزوجة التي تصارع الظروف وترعى الأولاد، وتستعد للزيارة الشاقة داخل السجن، وترتيب احتياجات زوجها السجين، تمكث كل يوم لتفطر وحيدة أو مع أولادها، أما أم السجين فهي في حزن دائم على ولدها الذي لا تعرف متى يعود. والمعتقل نفسه يمرّ الوقت عليه متثاقلاً، يحاول استغلال وقت السجن في الإكثار من العبادات وقراءة القرآن، وفعل ما لم يكن يفعله بشكل صحيح خارج السجن. قد تكون تلك الميزة الوحيدة للسجن، أن يكون هناك متسع من الوقت للعبادة والقراءة والتأمل والعودة إلى الله.

الدعوة إلى الإضراب العام في السادس من إبريل 2008 كادت أن تتحول ثورة في مصر كلها، لولا القمع الذي مورس ضد الأهالي في المحلة الكبرى التي انطلقت منها الدعوة

يحاول بعض السجناء التخفيف عن بعض، من طريق التهنئة والنقاش، ومراعاة أحوالهم المعيشية، ومساعدة بعضهم بعضاً، وحثّ بعضهم بعضاً على الإكثار من العبادات. ولكن هناك أيضاً من هو في الحبس الانفرادي منذ أعوام، يتحدّث مع الحوائط والمتاع القليلة في الزنزانة ينتظرون اليوم الذين يستطيعون فيه رؤية الشمس.
سعدت بالأخبار الأخيرة عن الإفراجات وإخلاء السبيل في مصر للزملاء الذين قضوا أكثر من عام في الحبس الاحتياطي بسبب كتابات على "فيسبوك" أو غيره، وقد بدأ الأهل والأصدقاء بالاحتفال، وعادت السعادة إلى البيوت، وأصبح لرمضان طعم آخر بعد عودة الأحباب.
لماذا دائماً نعيش في تلك الدائرة المفرغة؟ ومتى يجيء اليوم الذي نستطيع فيه العيش في أمان؟ ومتى يحين الوقت الذي نستطيع أن نختلف فيه دون اعتقالات وحبس وتلفيق قضايا؟

(2)
ويتزامن شهر رمضان المبارك مع شهر ميلادي، ولكنه له مكانة خاصة لدى قطاع كبير من الشباب الذي لا يزال ينتمي إلى ثورة يناير. إنه شهر إبريل (نيسان) الذي شهد أحداثاً مهمة عديدة في مصر قبل 13 عاماً، فله مكانة كبيرة قد تقارب مكانة شهر يناير لدى قطاعات شبابية عديدة، فهو الذي انطلقت فيه شرارة التحرّك الجماعي الذي جمع بين المطالب العمالية واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي وإحداث تحرّك جماعي عفوي كان له تأثير كبير وقتها. فالدعوة إلى الإضراب العام في السادس من إبريل عام 2008 كادت أن تتحول إلى ثورة في مصر كلها، لولا ذلك القمع الذي مورس ضد الأهالي في مدينة المحلة الكبرى التي انطلقت منها الدعوة. ثم الحدث المهم، تأسيس حركة شباب السادس من إبريل، وكان قوامها الأعظم من الشباب غير المنتمي إلى حزب أو تنظيم سياسي، واستخدمت منذ نشأتها وسائل كانت غير تقليدية في الوسط السياسي المصري والعربي. فهي أول مجموعة استخدمت وسائل التواصل الاجتماعي، مثل "فيسبوك" و"تويتر" و"يوتيوب" والمدونات في الحشد لأنشطة سياسية، في مصر والوطن العربي، وربما العالم، وكانت تجربة فريدة وملهمة للآخرين وقتها في كيفية استخدام التكنولوجيا في الالتفاف حول القيود الأمنية، وكيفية عقد الاجتماعات التنظيمية على الإنترنت والاتفاق على الأنشطة، ثم نقلها إلى الشارع مرة أخرى.

الحركات الاجتماعية ذات المطالب الاجتماعية السياسية كانت تجمع بين أنشطة تقوم بها الأحزاب وأنشطة أخرى تقوم بها منظمات المجتمع المدني وحملات المدافعة

وذلك بالطبع ما وضعها وقتها في مواجهة النيران من الجميع. أُولاها كانت نيران السلطة والأجهزة الأمنية التي فوجئت بذلك، الأمر الذي أوشك على الخروج عن السيطرة في 2008، وخرج عن السيطرة فعلياً في في 25 يناير/ كانون الثاني 2011، وهو ما جعلهم يستعدّون بشدة لتجنب تكرار ما حدث، وهو ما نراه الآن من تضييق وإغلاق لكل المساحات.
وكانت النيران أيضاً تنطلق من بعض الأحزاب التقليدية، تارة بسبب دوغمائية بعضهم، واعتبارهم أن التنظيمات عابرة الأيديولوجيات أو الجامعة للأيديولوجيات لا تصلح لأن تكون تنظيمات اجتماعية أو سياسية، بجانب سباقات أحزاب تقليدية وقتها لتجنيد الشباب الجديد الذي انخرط في الحيلة السياسية مع موجات التكنولوجيا. وليس ذلك فقط، ولكن بسبب أن الحركات الاجتماعية ذات المطالب الاجتماعية السياسية، مثل حركة 6 إبريل كانت تجمع بين أنشطة تقوم بها الأحزاب وأنشطة أخرى تقوم بها منظمات المجتمع المدني وحملات المدافعة، فقد لاقت هجوماً أيضاً من منظمات في المجتمع المدني لا تحب أن يشاركها أحد في المجال نفسه، ولكن هذا لا يمنع مساندة أحزاب عديدة، ومنظمات المجتمع المدني الأخرى، ومنظمات حقوقية أخرى، حركة 6 إبريل منذ نشأتها.

من المهم أن نحاول التوثيق كل عام، ما دمنا أحياءً، حتى تجد الأجيال القادمة معلومات صحيحة وسط كل هذا الكمّ من التضليل والتزييف

ولكن بشكل عام، كان هناك مجهود متكامل، فقد كانت أنشطة حركة 6 إبريل مبنية على أنشطة حركة كفاية (الحركة المصرية من أجل التغيير)، التي ظهرت تطالب بعدم التمديد للرئيس حسني مبارك، وعدم توريث الحكم لابنه جمال مبارك. وكانت تبني أنشطتها على حملات سياسية سابقة لها، مثل حملات دعم الانتفاضة الفلسطينية ورفض غزو العراق. وبعد ظهور حركة 6 إبريل عام 2008، ظهرت حملات ومجموعات شبابية أخرى على المنوال نفسه، مثل صفحة فيسبوك للمطالبة بحق الشهيد خالد سعيد، ثم كانت حملة دعم محمد البرادعي للترشّح لرئاسة الجمهورية التي اشتركت بها كل المجموعات الشبابية، حتى كانت الدعوة إلى الخروج يوم 25 يناير 2011، التي كانت حركة 6 إبريل مجموعة رئيسية في تلك الدعوة، نظراً إلى تنظيمها دعوات مماثلة في اليوم نفسه في سنوات سابقة.
من المهم أن نحاول التوثيق كل عام، ما دمنا أحياءً، حتى تجد الأجيال القادمة معلومات صحيحة وسط كل هذا الكمّ من التضليل والتزييف. وعلى الرغم من الهزيمة التي نعيشها الآن، وعلى الرغم من ذلك التنكيل الذي يعايشه من لا يزال يتمسّك بأفكار ثورة 25 يناير وقيمها، قد تكون تجربتنا بأخطائها ملهمة لأجيال أخرى، حتى تتجنب تكرار تلك الأخطاء.