رصاصات المحتل ستصمت

رصاصات المحتل ستصمت

14 مايو 2022
+ الخط -

قاتل إسرائيلي. صباح 11 مايو/ أيار 2022. استشهاد الإعلامية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة. ثلاثية تختصر القضية الفلسطينية منذ نكبة 1948 وما قبلها وما بعدها. ثلاثية ما فتئ الاحتلال يسعى إلى تمييعها وإزالتها من الوجود. يريد الإيحاء بأنه ليس قاتلاً، وطمس تاريخ كل شهيد وشهيدة، وعكس مفهوم الشهادة كي لا يترسّخ الحق. الإسرائيلي يعمل على تكريس أحقيته في أرضٍ اقتحمها بقوة السيف وظلمة العدل. يمكن تدبيج ملايين القصائد والأشعار لتخليد استشهاد شيرين، لكن ذلك لن يكفي لإنهاء البطش الإسرائيلي. في جنين والقدس وغزة وغيرها تبقى جذوة المقاومة مشتعلة، إذ لا يُمكن لأي صاحب حقّ التفاوض مع محتلٍ بمنطق الهزيمة.
الإسرائيلي محتل، هذا واقع. وانطلاقاً من هذه النقطة يتم التعامل معه. عودوا قليلاً إلى الوراء، بضعة أيام لا أكثر. الاحتلال متمسكٌ بـ"القدس عاصمةً أبديةً لإسرائيل"، رافضاً حل الدولتين، ومبتعداً عن أي مفاوضاتٍ جوهرية، عدا تلك التفصيلية اليومية الحياتية، التي يُظهر فيها "إنسانيته" المشروطة. هذا هو الإسرائيلي، مهما عمل على تلميع صورته، ومهما ظلّ يستعين بالتاريخ ومعاداة السامية والإبادة النازية لليهود، لتبرير "مخاوفه على وجوده"، على حساب وجود الفلسطينيين.
الإسرائيلي قاتلٌ غادر، يقتل من يقاومه، خصوصاً إذا كان أعزل، ويخشى من يرفع السلاح بوجهه. لا أحد يعلم ما الذي كان يدور في رأس شيرين قبل استشهادها، ولا أحد يمكنه الادّعاء بذلك، لكن اندفاعها المشهود للإضاءة على الاعتداءات الإسرائيلية جعلها في موقع "الفرد الإضافي" في كل منزل. أجيال عدّة تعلّمت عن طريق شيرين من هي إسرائيل الحقيقية، لا إسرائيل التي حاول حكّامها رسم صورتها "الإنسانية" في أذهان الشعوب العربية. يعتقد الإسرائيلي أن الصوت الإعلامي المعادي له سيخفُت بقتل شيرين، واستطراداً سيخشى كل مراسل من الانتقال إلى ساحات المواجهة لتغطية الاعتداءات، غير أن الإسرائيلي نفسه، وبلغته الخاصة، يعلم أن الأمر لا يتعلق بتراكماتٍ ما، بل بشرارة ستشتعل.
التاريخ لا يتوقف، والاعتماد على الحرس القديم في القيادة الفلسطينية لقمع ثورةٍ فلسطينيةٍ آتيةٍ لم يعد يجدي نفعاً، والوقت الذي ستصمت فيه رصاصات القاتل وإلى الأبد لم يعد بعيداً. هذا ليس شعراً ولا قصيدة ولا تمنّياً. إنه واقع حتمي وواقعية لامتناهية. حين تكون محقّاً، سيعمل عدوّك كل ما في وسعه لطمس حقوقك، وسيحاول استغلال كل نقطة لصالحه. في المقابل، ستوفر له كل مسبّبات تفكّك الجبهة المواجهة، حين تنغمس في نقاشاتٍ عقيمة، دينياً وقومياً، من أجل تفسير مفهوم شهادة أي شخص، شيرين أو غيرها.
لم ينتصر الإسرائيلي بسبب قوته، بل لأن أصحاب الحقّ ارتضوا الغوص في الانقسامات القاتلة، وكأن القضية الفلسطينية تتمحور حول صراع هوياتيٍّ محض، لا حول حقوق مسلوبةٍ وضرورة تحرّر الإنسان من سجّانه. هذا ما يتكّل عليه الإسرائيلي: خلق مناخات صدامية داخل الجبهة المناوئة له، والإيحاء في المقابل بـ"تعدّدية خياراته السياسية"، علماً أن اليسار الإسرائيلي ليس سوى جناحٍ من أجنحة اليمين لا أكثر.
لا شيء أقبح من انتظار صمت صاحب الحق كي يفرض الظالم شروطه، ولا شيء أكثر بشاعةً من إراقة الدماء من أجل دفن الحقوق. لم تستشهد شيرين لأنها صحافية أو لأنه "صودف" وجودها قرب جنود الاحتلال. قُتلت لأن في قاموس الإسرائيليين رعباً من ماردٍ قادرٍ على النهوض مرّة واثنتين وألف مرة، لكن في بال الاحتلال أن مساحة الانقسام المُقابل أكبر من أن يتم توجيهها ضدهم. هذا ما اتكل عليه منذ عقود وما يعتبره "أمراً طبيعياً" سيتواصل. في يوم ما، سينتهي هذا الانقسام وستتدحرج كرة المقاومة. الإسرائيلي يعرف جيداً كيف ستكون النهاية، وسيدرك حينها، بعد فوات الآوان، أن ما فعله في العقود السبعة الأخيرة بحقّ الفلسطينيين لن يمرّ بهدوء في منعطفات التاريخ، بل سيستولد تاريخاً جديداً، مصنوعاً بدماء آلاف الشهداء الفلسطينيين.