خلاص لبنان ببناء الدولة المدنية

خلاص لبنان ببناء الدولة المدنية

15 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

كتب المؤرّخ اللبناني، كمال الصليبي، كتابه عن لبنان "بيت بمنازل كثيرة" حيث كلّ طائفة أو جماعة تدّعي أولويتها في ملكية ذلك البيت، ودورها الأساسي في الزعامة منذ القدم. قدّم المؤرخ وصفاً دقيقاً لما هو عليه لبنان من مكونات طائفية، تحاول التعايش في ما بينها على أساس "العيش المشترك" هذا ما أوجد أزماته التي لا ولن تنتهي، نتيجة هذه المنازل الطائفية المتقاتلة، والتي أنتجت الحرب الأهلية عام 1975، ودامت 15 عاماً.

ها هي الحرب الأهلية تقرع اليوم أجراسها من جديد داخل هذا البيت، فمنازله تتحصّن ضمن طوائفها، بسبب عدم وضوح الرؤية التوحيدية بينهم حول أيّ لبنانٍ نريد؛ فاجتماع البيت الدرزي في منطقة خلدة عند النائب طلال أرسلان، على سبيل المثال، يهدف إلى توحيد الطائفة من الخطر الداهم، وحمايتها من نار الأزمات التي تضرب لبنان.

في ظلّ ما تشهده الساحة اللبنانية من انهيارات اقتصادية واجتماعية، تهدّد بالانزلاق نحو انفجار أمني خطير، بدأت تتزعزع أسس هذا المنزل، وأصبح بحاجةٍ لبنّاء جديد، يشيّد بناءه على أساس مدني حديث، فهل من ثورةٍ تنتج الدولة المدنية في لبنان على شاكلة ثورة فرنسا عام 1789؟

منذ تأسيس لبنان عام 1920 على يدّ الفرنسي نتيجة اتفاقية سايكس - بيكو، كان الانقسام الطائفي عنوان تلك المرحلة، بين المسيحي الذي يريد حماية أمه الحنون فرنسا، والمسلم الذي يطالب بالانضمام إلى العمق العربي المسلم. لم يسر اللبناني نحو بناء الدولة العصرية الحديثة التي ترفعه من الانتماء الأولي والعصبي لطائفته إلى الانتماء العضوي، حيث المواطنية هي التي تجمع المواطن نحو المصلحة العليا، وليست المصالح الضيقة.

 ينشغل المسؤولون اللبنانيون في تحديد جنس الملائكة، وحماية بيوتهم الطائفية، والمحافظة على مكتسباتهم

يجمع الخبراء والمعنيون بالشأنين المالي والاقتصادي على أنّ ما يشهده لبنان منذ عام 2019 غير مسبوق على مستوى العالم في التاريخ المعاصر، سواء لجهة حدّة الأزمة وسرعة الانهيار، أو الأهم لجهة لامبالاة الطبقة السياسية الحاكمة باستيعاب ما يحصل من خلال إجراءات مستعجلة، لعلّ أبرزها تشكيل حكومةٍ تدير الانهيار وتخفّف من وقع الارتطام المرتقب. وتؤكد كلّ المعطيات أنّ البلد بات قاب قوسين من السقوط المدوّي، وهو ما عبّر عنه رئيس حكومة تصريف الأعمال، حسّان دياب، عندما جمع سفراء ودبلوماسيين لإبلاغهم أنّ "لبنان على مسافة أيام قليلة من الانفجار الاجتماعي". وكان قد سبقه رئيس الجمهورية، ميشال عون، عندما أعلن، في سبتمبر/ أيلول الماضي، أنّ "لبنان يتّجه إلى جهنم في حال عدم تشكيل حكومة".

لا تكمن المشكلة في تشكيل الحكومة، بل في من يشكّلها، والطريقة التي يشكّل فيها المسؤولون الحكومة. هذه الطريقة هي طريقة الحفاظ على المنازل داخل البيت اللبناني، حيث رئيس الجمهورية المسيحي يحاول، مع تياره، رفع شعار الدفاع عن حقوق المسيحيين من خلال تسمية كلّ الوزراء المسيحيين في الحكومة، فيما الرئيس المكلّف سعد الحريري ومن خلفه، من ثنائي شيعي ودعم درزي على مضض، يؤيدون أنّ فكرة تشكيل الحكومة هي من صلاحيات الرئيس المكلف، وما على رئيس البلاد إلّا التوقيع.

إذاً، العرقلات الداخلية في لعبة الصلاحيات والمحاصصات الطائفية ترتدّ سلباً على الصعد كافة، بينما لبنان الذي يتّجه نحو السقوط المدوّي ينشغل مسؤولوه في تحديد جنس الملائكة، وحماية بيوتهم الطائفية، والمحافظة على مكتسباتهم، كأنّهم لا يعيشون في بلدٍ واحد، بل في كانتوناتهم، الأمر الذي حفّز كثيرين لطرح وتقديم مشاريع الفيدرالية في لبنان.

لا الوعي العام جاهز للعبور نحو الدولة المدنية، ولا مكوّناته الحزبية والطائفية لها مصلحة في انتزاع مصالحها الضيقة منها لحساب المصلحة العامة

أنتجت الثورة الفرنسية، عام 1789، نظاماً جديداً لم يعرفه العالم، وهو المجتمع المدني، حيث تمّ فصل الأدوار الدينية عن الدولة، وفرضت القوانين المدنية التي تُعلي من شأن الإنسان المواطن على حساب الإنسان الفرد. الانتقال من الدولة الطائفية إلى الدولة المدنية يتطلّب نشر الوعي في عقول الناس، كما فعل كلٌّ من جان جاك روسو ومونتسيكيو وغيرهما من المفكرين الذين عمدوا إلى التغيير في الوعي العام الفرنسي، لحثّه نحو التحرّر والمطالبة بالحرية والمساواة والعدالة.

في ظلّ الواقع الأليم في لبنان، نجد أنّ مفكريه هم جزء من شعراء البلاط الذين يقضون الوقت في مديح زعماء الطوائف، والدفاع عما يفعلونه ويُدلون به. لهذا لن يتخطّى لبنان في المدى المنظور أزماته التي يعيشها، ليس فقط لأجل المنازل الطائفية التي لم تزل تشكل كيانيته منذ استقلاله عام 1943، بل أضف إلى ذلك التوجه إلى التموضع في محاور الإقليم المتصارعة، فصرخة البطريرك، بشارة الراعي، عن تبنّي الحياد الإيجابي للبنان، والتعالي عن صراعات المنطقة، تجد معارضة شديدة من حزب الله، المصرّ على التموضع في محور الممانعة بقيادة إيران، وهذا ما يجاهر به أمين عام الحزب في خطاباته.

أخيراً، بين صراع الطوائف والتموضع الخارجي، لم تزل المنازل ضمن البيت اللبناني تتصارع، وتساهم في إغراق البلد في أزماته نحو الانهيار، على الرغم من دعوات المجتمع الدولي المستمرّة إلى تشكيل حكومة إصلاحية في أسرع وقت ممكن. هذا التخبّط المستمر للبنان لن يصل به إلى بناء الدولة المدنية التي تعتبر خلاصه الوحيد، فلا الوعي العام جاهز للعبور نحو الدولة المدنية، ولا مكوّناته الحزبية والطائفية لها مصلحة في انتزاع مصالحها الضيقة منها لحساب المصلحة العامة.