حقائق في علم الاجتماع اللبناني

24 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

ما الذي حصل في لبنان بين عامي 2019 و2020، إلى درجة عودة رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري إلى السراي الحكومي؟ أشياء كثيرة، تستلزم إجراء بحث عن علم الاجتماع اللبناني، لمعرفة أي منهجية للتفكير يعتمد أنصار الأحزاب والمستقلون. سيجد الباحث تناقضات كثيرة داخل كل شخص وكل مجموعة. وسيدرك أنه أمام شخصياتٍ وفئاتٍ متحوّلة ومترددة، ولن يكون أمام أفراد ومجموعات ثابتة على أهدافها أو مبادئها. التحوّلات المبنية على التناقضات المستمرة، يصفها بعضهم بأنها "جزء من عملية حماية الفرد نفسه أو المجموعة نفسها أمام خطر وجودي". أي كأنها معركة يخوضها الإنسان البدائي ضد العوالم المجهولة في الطبيعة في الماضي السحيق.

يعود السبب إلى كتب الدراسة أولاً، وكتب التربية المدنية ثانياً، وكتب التاريخ ثالثاً، مضافاً إليها تراكمات مجتمعية ـ تقليدية ـ دينية لدى كل مجموعة وطائفة وعائلة ومنطقة. الاختلاف حول الأساسيات الدراسية اللازمة لكل مجتمع أدّى إلى ولادة أجيال عدة في جيلٍ واحد. وهذا ما سيحصل دائماً، طالما لم يوضع حدّ لهذه الدوامة الفارغة. هذه التناقضات استغلها وسيستغلها كل حزبٍ للإمساك بمجموعة بشرية محدّدة، سواء باسم الدين أو باسم الخوف على المصير أو أي شيء، وسيأخذها إلى طاولة المفاوضات، حيث يتقاسم الحصص مع الشركاء ـ الخصوم في الوطن. ولا تعود أرباح هذا التقاسم إلى الناس. فلو تقاسم الناس أرباح التوافقات الداخلية لن يعودوا بحاجة إلى أي حزبٍ من الأحزاب الحالية في لبنان، من أكبرهم إلى أصغرهم، بل سيفرزون أحزاباً جديدة أقرب إلى الزمن الحالي، من تلك الجامدة في تواريخ بائدة.

هذا لدى الأحزاب والنظام، وهما علّة لبنان منذ استقلاله، وكل منهما ساهم في تدميره بطريقةٍ ما. وتدميره هنا، ليس فقط بمعنى الحجر والطبيعة، بقدر ما طاول هذا التدمير البشر الذين باتوا مهاجرين أو مهجّرين أو في طور الهجرة، أما من بقي منهم في لبنان، فإما أصحاب مصالح مع المنظومة السياسية أو مغبونون، وهم الأكثرية الساحقة الذين ينتظرون الخلاص.

أما لدى المعارضين، فكثر وجدوا في 17 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي فرصةً للتعويض عن نقصٍ سياسي، على قاعدة "قم لأجلس مكانك"، من دون التطلع إلى التغيير الفعلي. يكفي فقط مشاهدة انتشار صور "البطولات" الوهمية على وسائل التواصل الاجتماعي، وتسابق كثر للخروج إلى دائرة الضوء الإعلامي، فقط لاكتساب شهرة ما، لا للحديث عن رؤية ما. ولاحقاً يتم النقاش حول "كيف كان المظهر الخارجي خلال المقابلة التلفزيونية؟"، لا "كيف كان وقع طرح فكرة تغييرية تفيد المواطنين اللبنانيين؟". كيف يمكن أن تقنع مواطناً لبنانياً واحداً بأنك تريد تحقيق التغيير، في وقتٍ تضع فيه ثقلك فقط للدخول إلى البرلمان؟ منذ متى كان التغيير الجذري يتم تحت قبة البرلمان؟ 

وفوق هذا كله، يتّهم الطرفان، الأحزاب والمعارضون الراغبون بالشهرة، الناسَ، بكل شيء. الطرف الأول، الممسك بالسلاح والإعلام والمال والمخابرات والسلطة والنفوذ، يعيّر الناس الذين لا يملكون سوى صوتهم بفشلهم في تحقيق الانتفاضة أهدافها. في المقابل، يتّهم المعارضون الساعون إلى الضوء، المرتبطون بشبكة واسعة من العلاقات العامة ومن ضمنها الإعلام، الناس أيضاً بأنهم لم يسمعوا منهم في كل مرة يدعون إلى تجمّع محدّد وفي ساعة محدّدة. وكأن توقيت التغيير كتوقيت مباراة في دوري أبطال أوروبا.

الناس، كل الناس، لا يريدون نصائح من أحد. هذه الأكثرية الساحقة من اللبنانيين لا تملك حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا قدرة مادية لها للانتقال من مكان إلى آخر من دون أفق. لا يمكنك اتهام الفقير بأنه لا يفعل شيئاً، فيما أنت تكتفي بالتنظير في عليائك. الحقيقة الثابتة بين عامي 2019 و2020 أن الأكثرية الصامتة يئست من النفاق الذي يشيّد التناقضات، ولا تحتاج للتنظير عليها، بل معرفة ما إذا كان بإمكانها تأمين قوتها اليومي فقط.