حتى إذا ابيضّت أعين الثوار من الحزن

18 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

وفي كل يناير من كل عام، يبدع أعداء يناير في الانتقام منه، صفعًا وإهانة للذكرى والمعنى والقيمة، مقدّمين الدليل على أن شبح الثورة لا يزال يرعبهم، حتى وهم في عزّ بطشهم وجبروتهم. في أسبوع واحد: أحد المتهمين الرئيسيين في الجريمة المعروفة باسم "موقعة الجمل" يتم اختياره وكيلًا لبرلمان قتلة ثورة يناير، وفي لحظة نشوة الانتصار ينطق لسانه بالحقيقة، كاشفًا أن "30 يونيو" التي هي النقيض لثورة يناير كانت من تخطيط بطل إسرائيل القومي وتنفيذه، بنظر عتاة المحتلين، عبد الفتاح السيسي.

الرجل، محمد أبو العينين، قط الفساد السمين في زمن حسني مبارك، والذي ازداد تسمينًا وتشريسًا في زمن السيسي، كان يتحدّث بسعادة غامرة بعد عودته إلى البرلمان، معلنًا أنه"حان الوقت لنروق ونروق أنفسنا".

قبل ذلك، أو بالتزامن مع ذلك، كانت القناة الرسمية الأولى في تلفزيون النظام الرسمي، تستنطق الموسيقار هاني مهنى في البرنامج الرئيس بالقناة، عن ذكريات السجن مع رموز نظام مبارك الذين وضعتهم ثورة يناير في السجون، متّهمين بالقتل والفساد والكسب غير المشروع، ليقدّم الموسيقار وصلة مديح طويلة في أخلاق هؤلاء الملائكة الذين أسقطتهم الثورة الشرّيرة، وفي مقدمتهم ابنا حسني مبارك، ووزير داخليته حبيب العادلي، ووزير إعلامه صفوت الشريف، ورجال أعماله.

يسرد الموسيقار وصفًا تفصيليًا للمنتجع الفاخر الذي ضم هؤلاء المساجين، في وقتٍ تكتسي فيه بيوت عشرات الآلاف من المصريين بالحزن، على نبلاء تضمّهم الزنازين التي يمنع حرّاسها وجلادوها عن ساكنيها حبة الدواء وشربة الماء النظيفة.

في يناير هذا العام، رحل صفوت الشريف، العقل الشرّير للنظام الذي انتفض ضده الشعب المصري في يناير/ كانون الثاني 2011، والشخص الذي أفسد الحياة السياسية والإعلامية، واقترن اسمه بعديد الجرائم الغامضة، ودانه القضاء مرتين، مرة في أعقاب نكسة 1967 فيما عرفت بقضية انحراف المخابرات، ثم دانه القضاء بالفساد في 2020. ولكن هذا السجل الحافل من الجرائم لم يمنع نظام 30 يونيو من الاحتفاء بالرجل، وتقديمه، عبر وسائل إعلامه، صاحب أدوار وطنية وإنجازات إعلامية، لتمتد موائد الرثاء الكاذب، لا لشيءٍ إلا لأن الراحل من الذين يكرهون ثورة يناير، مثله مثل أهل السلطة الحاليين، وحاشيتهم في الفن والثقافة والإعلام، من نوعية الكاتبة التي عينوها في البرلمان السابق، لميس جابر، ووصل بها الغلّ والفزع من طيف ثورة يناير أن كتبت ذات يوم مطالبة بإلغاء شهر يناير من التقويم، لتبدأ السنة مباشرة بشهر فبراير.

هو، بنظر كل الفاسدين والمطبّعين والطغاة، الشهر الرجيم الذي قامت فيه الثورة الرجيمة، فاستحقا اللعن والاحتقار والإمعان في توجيه الإهانات، مثلما فعلوا في 2018، حين ألغوا حكم حبس حبيب العادلي، وزير داخلية مبارك.

العداء للثورة، والرعب من ذكراها، دفعهم إلى الاحتفال بانقلاب 30 يونيو في شهر يناير، ليكون الملف الرئيس في مجلة الهلال بعددها الجديد هذا الأسبوع هو: نجاح 30 يونيو في الانتصار على 25 يناير.

في هذه الأجواء التي يمعن فيها قتلة ثورة يناير في الاحتفال بكسرها، يبدو غريبًا وصادمًا أن يستسلم بعض أهل يناير ملوّحين بالراية البيضاء، تأثرًا بتقلباتٍ في المناخ الإقليمي، وكأن الثورات تعتمد في حركتها على معطيات العلاقات الدولية، وهذا غير صحيح على الإطلاق، بالنظر إلى الجولة الأولى من الربيع العربي قبل عشر سنوات، والتي كانت إبداعًا شعبيًا، محليًا، مفاجئًا، ومذهلًا، إلى الحد الذي أربك النظم الرسمية التي كانت تسخر من فكرة قدرة الشعوب على الحضور والانتفاض.

لا يذكر التاريخ أن هناك ثورة ماتت وانمحت من الوجود .. قد يستطيع الطغاة إخماد الثورة، مرحليًا، لكنها تبقى قادرةً على الانبعاث من جديد، بشكل مفاجئ كما ولدت أول مرة. هذا يقين يمتلئ به أعداء الثورات، فيقومون بتعلية أسوار الاستبداد وتنمية التوحش في نفوس الحرّاس، ويبقون طوال الوقت في حال استنفار وقلق، حتى لو بلغ نبض الثورة أضعف مراحله.

الأمر ذاته الذي تجده عند القابضين على الحلم بالثورة، فينتظرون نهوضها من عثرتها وانبعاثها من جديد، موقنين بعودتها باليقين ذاته الذي كان ينتظر به يعقوب، حين ابيضّت عيناه من الحزن، رجوع يوسف.