تنوير عربي عبر الصدمة

تنوير عربي عبر الصدمة

04 سبتمبر 2021
الصورة

(جبر علوان)

+ الخط -

ظهرت، في بدايات القرن السابع عشر في أوروبا، مجموعة من المفكرين والفلاسفة، شكّلوا حركة سميت حركة النهضة الإنسانية، بدأت أفكارها تنتشر بين العامة عبر اللقاءات العلمية والصالونات الأدبية والمقاهي والكتب والصحافة. كانت تلك الحركة بداية عصر التنوير في أوروبا، والذي مهدت أفكاره لانطلاق ثوراتٍ نتج عنها تحييد سلطة الكنيسة عن الدولة والمجتمع، وإقرار النظام العلماني الذي استمر واستقرت معه مجتمعات العالم الغربي، بعدما مرّت بمراحل عديدة من الثورات الاجتماعية والسياسية والحروب الأهلية والإعدامات (طاولت حتى التنويرين المنظّرين للثورات)، وعودة الملكيات والحروب العالمية والاشتراكية والرأسمالية والليبرالية، وكل ما حدث في العالم حتى منتصف القرن العشرين تقريبا، قبل أن يستقر العالم على وضعه الحالي.

لم تقتصر، كما هو معروف، حركة التنوير على الأفكار السياسية والاجتماعية والفلسفية، بل شملت أيضا الفنون بأنواعها، الموسيقى والغناء والرقص والمسرح والسينما، مثلما طاولت الأدب والعلوم، ولعل تراث عصر النهضة، أو عصر الأنوار الإبداعي، هو التراث الأكثر غنىً والأكثر تأثيرا في كل التاريخ البشري، ليس فقط لغزارته، بل لقدرته على الاستفادة من المدارس الإبداعية في التراث العالمي، وتحطيمها، وقيام مدارس جديدة أنتجت لاحقا مفهوم الحداثة في الأدب والفنون، كالدادائية والتفكيكية والتجريدية والوجودية والسوريالية، وغيرها من مفاهيم تركت إرثا مهولا، ولم يستطع عصرنا الحديث تجاوزها، أو إيجاد بدائل عنها.

كانت إذاً أفكار التنويريين جذرية في ثوريتها، وفي أفكارها عن الحرية التي دفع بعضهم ثمنها بقطع رؤوسهم بالمقصلة على يد الثوار الذين كان فكر التنويريين يستهدفهم، حتى قيل إن "الثورة تأكل أبناءها"، في إشارة إلى أن ثمن التغيير كبير جدا، ويدفعه أول من يدفعه المنظّرون والمنتمون له. لم تقبل تلك الأفكار المهادنة في الثورة، أو في مفهوم الحرية. كانت أفكارهم عن الحرية تشمل كل شيء، الحرّيات السياسية والحريات الفردية والتسامح الديني وحرية الرأي ضد الصوت التعسفي الوحيد والعقيدة الثابتة للسلطة الكنسية والسياسية. والأمثلة عما كتب وقيل عن مفهوم الحرية في عصر الأنوار أكثر بكثير من أن تُحصى أو تُذكر. ولعل كتابات عمانوئيل كانط عن الحرية والعقل مثال واحد، وليس وحيدا، عن مفهوم الحرية في عصر التنوير.

ومن نافل القول إن مجتمعاتنا العربية هي اليوم الأكثر حاجةً إلى حركة تشبه نهضة أوروبا تلك، فالتحالف الوثيق بين السلطتين الاستبداديتين، الدينية والسياسية، عطّل العقل العربي، وجعل مفهوما كبيرا، كمفهوم الحرية، مجزّأً ومفتتاً، حتى أفرغ من معناه. وهذا على الأقل ما ظهرت نتائجه خلال العقد الماضي مع الربيع العربي، وفي كل بلدانه. وضمن المعطيات الحالية، لا يبدو أن وضعا كهذا سوف يتغيّر في القريب المنظور، بل يتضح أنه سيحتاج عقودا كثيرة، قبل أن يتخلخل بنيان ذلك التحالف، فما حدث كله ليس سوى طرقات مطرقة في ذلك الجدار الثابت، طرقات عالية وقوية، لكنها لا تكفي لهدم حجر واحد من الجدار الذي أخفى تحته العقل العربي الجمعي ومبدأ الشك والتفكير، اللازميْن لأي تغيير، تاركا للغرائز والقطيعية أن تنطلق على هواها.

ويزيدون الوضع سوءا من يتصدرون مشهد "التنوير" حاليا مع انتشار وسائل التواصل التي باتت في متناول الجميع، فهم، في الأفضل منهم، ينطق مفهوم الحرية لديهم عن الهوى، فلا يرون في اعتقال عشرات آلاف الشباب وتعذيبهم حتى الموت في سجون الطواغيت اعتداءً على الحرية، إلا إذا كان الطاغية معاديا لإيديولوجيتهم، (دينية/ مذهبية أو قومية أو سياسية). ويهاجم آخرون من مدّعي التنوير الدين الإسلامي، باسم الحرية، من دون أي ذكر لتحالف المؤسسة الدينية مع السلطة السياسية الطاغية، وحدّث عن هؤلاء ولا حرج. وثمّة نوع آخر من "التنويريين" يحتلون المشهد الحالي. والغريب أن معظمهم نساء، مؤيدون للأنظمة الطاغية بدون التباس، ويظهر "تنويرهم" المفترض في عرض حياتهم الشخصية (اللباس، شرب الكحول، السياحة، السهر) على وسائل التواصل، بوصف ما يفعلونه دعوة إلى تنوير المجتمع عبر "الصدمة". أما الحريات السياسية وحرية الرأي فليست من "الأنوار"، فالمطالبون بها قد يدفعون أثمانا باهظة، وهؤلاء طبعا لن يدفعوا ثمن أي شيء، بل العكس ربما يقبضون مقابل ما يعرضونه على وسائل التواصل.