امتحانات الشهادة الثانوية والأمن القومي

امتحانات الشهادة الثانوية والأمن القومي

25 يونيو 2021

(محمد شبعة)

+ الخط -

عمدت حكومات دول عربية، في السنوات القليلة الماضية، إلى قطع الإنترنت، طوال فترة خضوع الطلّاب لامتحانات مواد الشهادة الثانوية، في إجراء يُراد به الحدّ من ظاهرة الغش في الامتحانات، وتطول هذه المدة ساعاتٍ قبيل بدء دخول الطلّاب قاعات الامتحان، منعا لتسرّب الأسئلة. ولسنا في حاجةٍ لمزيد من الفطنة، لندرك ما في ذلك من اعترافٍ معلن بفساد النظام التعليمي في تلك البلدان (منها العراق ومصر والسودان وليبيا وسورية واليمن والجزائر)، وما فيه من عجزٍ أو عدم رغبةٍ في تطوير نظم التعليم، ومن ضمنها أدوات القياس والتقويم، وأننا أمام حلقةٍ جديدةٍ من حلقات العسف والتعسّف في التعامل مع مخرجات الفساد من دون مدخلاته، عبر استهداف الطلبة المُفْسَدين بالمراقبة والعقوبات، وغضّ النظر عن محاسبة مُفْسِديهم، وفي مقدمة هؤلاء أنظمةُ التعليم التقليدية نفسها والقيّمون عليها.

لا تعبأ تلك الإجراءات بالضرر الذي تتسبب به لملايين المشتركين في خدمات الإنترنت في البلد الواحد، حين تحرمهم من الخدمة، ولا بالخسائر الناجمة عن توقف الأعمال والأنشطة الاقتصادية، في أكثر أوقات يوم العمل حيويةً، ولا بالانتقاص من حقّهم الأساسي في الوصول إلى الإنترنت، خصوصا أن تلك الإجراءات لم تكن مجديةً دائما، من ذلك أن وزارة التعليم الجزائرية قرّرت، صيف العام 2016، إعادة الامتحانات في مواد دراسية بعد تسرّب الأسئلة، على الرغم من إجراءاتٍ مماثلة.

في إحدى محاضراته، نظر نعوم تشومسكي إلى التعليم بوصفه نظاما للتلقين؛ يُمرّن الطلاب على الطاعة والالتزام، قائم على حظر الأسئلة التي تطرحها عقولٌ مستقلة، إدراكا لخطرها على النظام العام. يفيض التعليم بكل ما هو سخيف (الواجبات المنزلية وأنظمة الامتحان ...)، لكنّه يلعب دورا وظيفيا لتحقيق غاية التمييز بين الأفراد على أساس الطاعة، حين يضطرون إلى إنجاز ما يدركون سخافته، لينتقلوا إلى الفصل التالي. أما من يرفض أداء تلك السخافات (أو يُخفق في أدائها) فإنه يصنّف ضمن فئة من يعانون من مشكلاتٍ سلوكية، وينتهي به المطاف إما إلى مكتب مدير المدرسة أو إلى الشوارع. التضحية بالطلاب أمر وارد، طالما كان الهدف من التعليم هو تدعيم ركائز السلطة وفق قاعدة: هذه هي الأفكار الحقيقية وما سواها هراء.

هناك صعوبةٌ في إبقاء الأفراد مطيعين ومتلقين في مجال، ومطالبتهم بالابتكار والإبداع في مجال آخر

وفي كتابه "المراقبة والعقاب"، يذهب ميشيل فوكو إلى أن المدرسة أصبحت ميدانا لممارسة السلطة التي تولّد نوعا من المعرفة، كما أن ممارسة الأخيرة تؤدّي، بالضرورة، إلى مزيد من السلطة، ويتساءل: كم هي مذهلةٌ حقيقة أن سجوننا تشبه مدارسنا! كما أن نزلاء السجن يخضعون للمراقبة بشكل دائم، من سجّانين غير مرئيين، ويتصرّفون كما يُتَوَقَّع منهم، فإن معلمي المدارس يمارسون مهنة السجّانين من خلال الامتحانات المدرسية التي تذكّر الطلاب بخضوعهم للملاحظة والمراقبة من بالغين يراقبونهم من موقع السلطة، بهدف إنشاء "مجتمع انضباطيّ" يسهل التحكّم به والسيطرة عليه. وكما يتم في السجون فصل السجناء فصلا ثنائي القطب (موجب/ سالب) يفرز بين ما هو طبيعي وما هو غير طبيعي، كذلك تفعل الامتحانات؛ بحيث إن الطلاب الحاصلين على درجاتٍ أقلّ من الحدّ الأدنى يُعدّون أفرادا دون الطبيعي؛ كسالى، حمقى، أغبياء .. إلخ في مقابل أولئك "الشطّار" الموهوبين والأذكياء والمبدعين. هكذا يصبح الجهل بمعرفة معلومة في المقرّر "انحرافا" يتحوّل إلى طبيعة باطنة تذكّر الطلّاب بأنهم أغبياء وفاشلون. الامتحانات ليست فقط مقياسا للمعلومات، بل أيضا، تفرض نفسها مقياسا للذات.

لا يقتصر الأمر، عند فوكو، على "الحوكمة الذهنية" بفرض الحقيقة التي تتبنّاها السلطة وفق القاعدة المذكورة أعلاه عند تشومسكي، فما يدور في الذهن يحرّك إرادة الجسد، وكان ينبغي أن يهاجر النظام الجسدي - الانضباطي من حقل الأجساد الطبيعية في السجون، والثكنات العسكرية، إلى فضاء المدرسة، حيث يُستبعَد الذهن ليُدمَج الجسد في أنساق المؤثّرات المخطط لها، لنجد آليات الضبط نفسها، بدءا بالبناء الهندسي الرمزي، المهيأ قبليا بزرع شعور المراقبة الرمزية، من أجل إيجاد العقاب اللاشعوري، مرورا بنظام تقسيم الوقت (الحصص والاستراحات، مواعيد الدخول والخروج)، وانتهاء بطريقة الدخول والخروج ومكانهما، وحتى طريقة المشي والجلوس. التعليم، إلى جانب السجون، والمستشفيات، ونظام العدالة، والطب النفسي، إحدى وسائل الضبط المستند إلى "نظم إنتاج المعرفة"، والتي لها قدرة كبيرة على الانتشار، لتلبّي الحاجة إلى المعرفة التي يعتمد عليها النظام الاجتماعي السياسي، بعدما كفّت المجتمعات المعاصرة عن ممارسة الضبط من خلال الاستعراض الفظّ لقوة الدولة وسلطتها (الإعدامات في الساحات العامة، المواكب الضخمة، والاستعراضات العسكرية...).

إذا كانت تلك هي حال المجتمعات الغربية ما بعد حداثية التي تُفرد للحرية حيزا أوسع، وتعيد إنتاج نفسها على تفاعل البنى المؤسسية في الدولة والمجتمع، فكيف ستكون حال مجتمعاتنا العربية الأكثر إذعانا، وبناها التقليدية التي لا تزال تخضع لوسائل الضبط التقليدية التي لا تزال قائمة على "الاستعراض الفظّ لقوة وسلطة الدولة"؟

سيبقى الغش في الامتحان أحد أشكال التمرّد على النظام التعليمي بوصفه أحد أنظمة السيطرة، وميداناً لممارسة القمع

بعد مرحلة التخرّج والوجود في سوق العمل، كما يذهب تشومسكي، تقفز التناقضات في الرأسمالية إلى السطح، فهناك صعوبةٌ في إبقاء الأفراد مطيعين ومتلقين في مجال، ومطالبتهم بالابتكار والإبداع في مجال آخر، فالشركات التجارية تحتاج العلوم والهندسة، ولتحقيق الأرباح تُضطر إلى تشجيع الإبداع والاستقلالية، طالما أن استنساخ الفرد ما تعلّمه لن يجدي. هناك إذا ثغرات، على الرغم من اعتقاده أن الأمور تسير باتجاه تحويل المدارس إلى معسكراتٍ لسلاح المشاة، وقد تظهر هذه الثغرات قبل التخرّج، وفي مراحل مبكّرة منه، حيث يعلّم بعض المعلمين في المرحلة الثانوية طلابهم أفكارا محفزة، من دون أن يضمن تشومسكي لهؤلاء المعلمين، على ما يبدو، أنهم سينجون من القمع والطرد ونحوه. ولكن إمكانية فتح ثغراتٍ في أنظمة التعليم تبدو أقل في دول عربية، جيء أعلاه على ذكرها، باتت تحتلّ مراتب متدنية على مؤشّرات جودة التعليم عالميا أو أضحت خارجها، بفضل سيادة نظام تعليمي تلقيني يركّز على العقاب (بما فيه البدني؟) وتشديد العقوبة بدل التعزيز والتشجيع، ويفتقد للتكامل مع سوق العمل، إلى جانب نظامٍ سياسيٍّ يهيمن عليه العسكر أو أجهزة الأمن أو المليشيات المسلحة. أمام ذلك كلّه، من المنطقي التعامل مع الامتحانات بوصفها قضية "أمن قومي"، كما عبّر عن ذلك وزير الداخلية السوداني، عز الدين الشيخ، لتخضع لنوع خاص من قوانين الطوارئ (هل قطع وسائل التواصل والاتصال ممكن في ظل دولة مدنية؟)، إذ إن استمرار السيطرة على النظام التعليمي يقتضي السيطرة على الامتحانات المدرسية، بوصفها أداة مراقبةٍ وضبط وتطويع، وأيضا، انتقاء، وبالتالي تهميش وإقصاء لفئة على حساب أخرى، وبطريقةٍ تبدو شرعيّة يقبل بها الجميع.

سيبقى الغش في الامتحان أحد أشكال التمرّد على النظام التعليمي بوصفه أحد أنظمة السيطرة، وميدانا لممارسة القمع، في تعارضٍ صارخ مع حرية الأفراد وقدرتهم على الإبداع والابتكار، معوقا تطوّر المجتمع، ممعنا في إفساده وقهره، ومن يسطو به القهر، كما ذهب ابن خلدون "حُمِلَ على الكذب والخبث .. خوفـًا من انبساط الأيدي بالقهر عليه. وصارت له هذه عادةً وخُلُقـًا، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرّن، وهي الحَمِيّة والمدافعة عن نفسه ومنزله. وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخُلُق الجميل". نظامٌ تعليميٌّ كهذا هو ما يشكّل، في حد ذاته، تهديدا للأمن القومي.