اليمن .. لعبة القط والفأر ونقاشات بيزنطية

23 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

لم يكن الخلاف السياسي اليمني الذي تصاعد أخيرا بين سلطة اتفاق الرياض، بعد تعيين الرئيس عبد ربه منصور هادي النائب العام، وكذلك هيئة رئاسة مجلس الشورى، سوى انعكاس لعمق الصراع بين الفرقاء، وإن أتى هذه المرّة في سياق التنازع حول شرعية هذه القرارات، ففي حين يطعن المجلس الانتقالي الجنوبي، الطرف الرئيس في اتفاق الرياض، وبعض الأحزاب السياسية بمشروعية هذه القرارات، كونها خارج التوافق الذي نصّ عليه الاتفاق، فإن الرئيس هادي والقوى المتحالفة معه، كيّفوا تلك القرارات باعتبارها تدخلا في نطاق صلاحيات رئيس الجمهورية، ومع عقم هذه الصراعات، فإن اللافت هو افتقار الفرقاء المشروعية القانونية التي تنظم شراكتها السياسية، سواء بتوظيف الاتفاقات التي فرضتها القوى المتدخلة في اليمن مرجعية، أو تحايلها على الدستور اليمني وتوظيفه بمقتضى مصالحها، فمن جهةٍ يساوم المجلس الانتقالي على تثبيت حصصه السياسية في مؤسسات الدولة اليمنية، من خلال استخدام اتفاق الرياض ذريعة لتقييد سلطة هادي، والقوى السياسية المتحالفة معه، فيما عطل الرئيس العمل بالدستور اليمني منذ المرحلة الانتقالية، وبمباركة الأحزاب السياسية، بحيث يشكل استمراره في السلطة معارضا للدستور، كما حوّل المبادرة الخليجية إلى مرجعية عليا تدير شؤون الدولة اليمنية، ودستور موازٍ، مقابل تكييفه الدستور اليمني بحسب مصالحه السياسية.

جاء اتفاق الرياض محصلة للصراع العسكري المرير بين قوات المجلس وقوات هادي، أكثر من أربعة أعوام

تحليل الأرضية السياسية وكذلك توازن القوى المحلية التي أفضت إلى التوافقات السياسية في اليمن، بما في ذلك المبادرة الخليجية، تجعل من اتفاق الرياض الذي رعته العربية السعودية، صيغة سياسية لاقتسام السلطة بين السلطة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي، يفتقر لمعايير التوافقات السياسية الوطنية، إذ حكمته تدخلات القوى الإقليمية الفاعلة في جنوب اليمن، فإضافة إلى أنه أكثر هشاشةً على الصعيد السياسي من أن يعد توافقا بين الخصوم المحليين، فإنه جاء محصلة للصراع العسكري المرير بين قوات المجلس وقوات هادي، أكثر من أربعة أعوام، وكذلك دعم الإمارات والسعودية المجلس، أي ناتج عن إرادة الغلبة وليس جرّاء توافق يمني- يمني، فضلاً على كونه نتاج استراتيجية وكلائهما الإقليميين، السعودية والإمارات في إدارتهما السلطة في المناطق المحرّرة، ومن ثم لا يمكن اعتبار اتفاق الرياض مرجعيةً توافقية لتنظيم السلطة بين الفرقاء، إذ تظل السلطة العليا في الاتفاق للحلفاء الإقليميين، وهو ما تبدّى باعتراض الإمارات على قرارات الرئيس هادي، واعتبارها تقويضا لاتفاق الرياض، كونه يعارض مصالح وكيلها المحلي. ومع ما كشفه التجاذب السياسي بين الفرقاء في أزمة سلطة اتفاق الرياض، واحتمال انعكاسه على الحكومة الحالية المنبثقة عن الاتفاق، فإن الجلي هنا ما أفرزه من التحالفات الضمنية والمعلنة في مواقف القوى السياسية من قرارات الرئيس هادي.

الأخطر من تكييف اتفاق الرياض، وفق مصالح المجلس الانتقالي، ليس فقط حرصه على إزاحة الشخصيات السياسية المعارضة له، بل تقييد سلطة هادي

تستند مقاربة المجلس الانتقالي الجنوبي، وحليفه الإماراتي، لاتفاق الرياض، باعتباره مرجعية سياسية ملزمة للرئيس هادي وحلفائه في كيفية إدارة الدولة اليمنية، وذلك لأن المكاسب السياسية التي حققها من الاتفاق ضمنت له التمثيل السياسي في الحكومة الحالية، مع بقاء تشكيلاته العسكرية والأمنية ورقة ضغط على الرئيس هادي، في حال تعارضت سياسته مع مصالح المجلس، وكذلك تصدير اتفاق الرياض، بوصفه دستورا ضمنيا، يمكّنه من إحلال أنصاره في جميع مؤسسات الدولة، بما يضمن له إنشاء دولة داخل دولة، وإن أتى كالعادة في سياق تمثيل جغرافي - مناطقي على حساب الكفاءة، إلا أن الأخطر من تكييف اتفاق الرياض وفق مصالح المجلس الانتقالي، ليس فقط حرصه على إزاحة الشخصيات السياسية المعارضة له، بل تقييد سلطة الرئيس هادي، وصلاحياته رئيس جمهورية، من اتخاذ أي قرار في شؤون الدولة، إضافة إلى التلويح بالقوة، والذي تكشف بإعلان المتحدّث باسم المجلس الانتقالي، علي الكثيري، وبشكل ضمني، باتخاذ إجراءاتٍ قد ترقى إلى منع المشمولين بقرارات الرئيس من مزاولة أعمالهم في مدينة عدن، الأمر الذي يجعل اتفاق الرياض سلاحا دائما ضد هادي. 
احتكمت قرارات الرئيس هادي بتعيين رئيس الوزراء السابق، أحمد عبيد بن دغر، رئيساً لمجلس الشورى، وأحمد صالح الموساوي نائباً عاماً، لإدارته الصراع مع خصومه، وفي مقدمتهم المجلس الانتقالي، بما يؤدي إلى إضعاف ثقلهم سياسياً، وليس باعتباره رئيس دولة من المفترض ألا يكون طرفاً في الصراع السياسي. ويبدو أن التكتيك السياسي الذي اتخذه هادي يهدف إلى حصر تنفيذ اتفاق الرياض في الحكومة الحالية، من خلال تأكيد صلاحياته رئيس دولة، بالإضافة إلى تفعيل سلطات سياسة يمنية مجمّدة منذ أكثر من ست سنوات، كمجلس الشورى، وربما بهدف تحويله إلى سلطة فاعلة توازي مجلس النواب، من خلال تعيين شخصية موالية له ومن خصوم الانتقالي، كرئيس الوزراء السابق، عبيد بن دغر، أيضاً لمعارضته الأجندة الإماراتية في جنوب اليمن. ومع أن قرارات هادي تتعارض مع مواد الدستور اليمني، بتجاوزه صلاحيات مجلس القضاء والسلطة القضائية الذي يرشّح النائب العام، فضلا عن أن النائب العام الجديد من خارج سلك القضاء، فإن القرارات تصب في صالح تكريس حلفائه من القوى السياسية.

لا جديد في لعبة القط والفأر التي يتقنها الرئيس هادي وحلفاؤه والمجلس الانتقالي وشركاؤه، سوى تغيير الأدوات، وشرعنة الفساد

تبرز خريطة التحالفات السياسية في معسكر السلطة الشرعية في مواقف الأحزاب من قرارات الرئيس هادي أخيرا، أكثر من كونها احتراما للدستور اليمني الذي شاركت في تعطيله، إذ اعترض الحزب الاشتراكي اليمني والتنظيم الناصري على القرارات، كونها تتعارض مع مضامين اتفاق الرياض، والشراكة بين القوى السياسية، وهو ما يؤكّد تماهيهما سياسياً في الوقت الحالي مع المجلس الانتقالي الجنوبي، في حين أيد حزب التجمع اليمني للإصلاح، أكبر الأحزاب الموالية للرئيس، قراراته، وإن بشكل دعم نشطائه وتصريحات قياداته السياسية، وذلك لكونه أكبر المستفيدين من القرارات، سواء بقرب النائب العام سياسياً منه، أو لأن بن دغر معارض للمجلس الانتقالي، كما أنه يطلق يد هادي في إدارة الدولة، بما في ذلك تعيين المسؤولين والقيادات العليا التي ستكون بالطبع من المحسوبين على حزب الإصلاح والمناصرين لهم، ما يعني تمكينه سياسيا في مفاصل السلطة الشرعية على حساب القوى الأخرى من خصومه. 
لا جديد في لعبة القط والفأر التي يتقنها الرئيس هادي وحلفاؤه والمجلس الانتقالي وشركاؤه، سوى تغيير الأدوات، وشرعنة الفساد، وتجريف ما تبقى من مؤسسات الدولة في المناطق المحرّرة، وكذلك التحايل على الدستور، وتسويق مرجعيات الغلبة سلاحا ضد بعضهم بعضا، فيما يتابع اليمنيون في الداخل معركة "الصغار"، تدور في عالم آخر بعيد عن الحرب التي يكابدون أهوالها، ومعاناتهم اليومية في البقاء على قيد الحياة.