الوزير في دمشق

الوزير في دمشق

14 نوفمبر 2021
الصورة

بشار الأسد يستقبل وزير خارجية الإمارات عبدالله بن زايد في دمشق (9/11/2021/الأناضول)

+ الخط -

ما الغاية الحقيقية من زيارة "أوسَم فتى عربي" لدمشق؟ (الأوسم صفة خلعها عليه بعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي).

بداية، لا بد من تبيان أنّ هذا السؤال غير سياسي البتة، بمعنى أن المعنيين بالإجابة عنه من غير فئة "المراقبين" و"المحللين" و"المتابعين"، بل هو موجّه، بالدرجة الأولى، إلى الطهاة وعباقرة المطابخ، حصراً، من أولئك الذين باستطاعتهم ابتكار وصفات طبخ غير تقليدية، على غرار طهي "حلّة" ملوخية بالسمك، مثلاً، وإلا فكيف يمكن تفسير الجمع بين "سيّد جبهة الصمود والتصدّي" وأحد سادة "المطبعين الجدد" إلى عاصمة "المقاومة والممانعة" كما يراها المهووسون بدكتاتوريات اليسار، وقيادات مجالس الثورات.

هو بالفعل تنافر لا يستقيم مع المنطق، فقد كنّا نتوقع أن تكون الإمارات آخر الدول العربية التي ستخطب ودّ الأسد "المنتصر على شعبه" لأسباب عدة، ليس أولها أنها كانت من دعاة إسقاط الأسد إبّان اندلاع الثورة السورية، وليس آخرها، توجبه أحكام التباين "العقائدي" بين نظامي حكم تفصل بينهما اشتراكية ماركس ولينين وقومية جمال عبد الناصر. والأهم أنّ ثمة فاصلاً جديداً يفترض أنّه أمتن من جدار برلين، نشأ مع تجريد الإمارات حملة ضروساً للتطبيع مع إسرائيل سبقت بها دول التطبيع القديمة، بفضل إشهارٍ لا يحتمل ذرّة حياء، تجسّد في الزيارات الحميمة المتبادلة، و"بيت إبراهيم" وأنشطة السفير الإماراتي في تل أبيب، الذي يداوم على التغزّل بالصهاينة وأخلاقهم ورحمتهم، مقابل نظام يزعم أنّه لن يعترف بإسرائيل، وتتلقى بلاده ضربات جوية وصاروخية شبه يومية من تل أبيب، ويتلقى دعماً إيرانيّاً مفتوحاً "على بياض" وبلاده لم تزل متخمةً بالمليشيات الإيرانية التي شاركت في إجهاض ثورة الربيع السورية، امتداداً لتحالف قديم بين الأسد الأب والخميني لم تفصمه الحرب العراقية الإيرانية طوال ثماني سنوات، ولا احتلال إيران جزراً تابعة لدولة "الفتى الوسيم" الذي يعرف جيداً أنّه لو اندلعت حرب بين بلاده وإيران لاصطفّ أسد النظام السوري إلى جانب إيران عسكريّاً وسياسيّاً بلا أدنى تردّد.

ذلك كله أو بعضه كان يقضي أن تكون الإمارات، فعلاً، آخر الدول "المطبّعة" مع دمشق الأسد لا أولها، احتراماً على الأقل لجزرها الي لم تزل محتلة إيرانيّاً، أو لموقفها القديم من الثورة السورية الذي ثقبت به آذاننا، أو انسجاماً مع التباين العقائدي بين نظامي حكم لا يجمع بينهما غير الملوخية والسمك، غير أنّ عبد الله بن زايد باغتنا حقّاً بهذه الزيارة "الغارة" على دمشق، فارجاً شفتيه وهو ينظر إلى الأسد كمن ينظر من حفرة، فهل ضلّ طريق "التطبيع" هذه المرّة ظنّاً منه أنّه إنما يتوجه إلى تل أبيب؟

بالطبع، لا، كان ابن زايد يعرف طريقه جيداً، ويعرف أنّها ليست المرة الأولى التي يزور فيها دمشق هو أو غيره من دول لعبت أسوأ الأدوار في إجهاض ثورة الربيع السورية، إلى جانب أخواتها من الثورات الأخرى. قد لا يكون هو بشخصه من زارها، لكنّ المؤشرات إلى أنّه كان ثمة مؤامرة ما دارت من خلف ظهر الشعب السوري الذي وثق بأنّ هذه الأنظمة ستكون نصيراً له على طاغيته، غير أنّ ما أثبتته الأيام أنّ الخطة كانت "ملعوبة" بدقة، منذ بدأت عسكرة الثورة وحرفها باتجاه اللحى المريبة، وسيوف "داعش والغبراء".

لم يزر عبد الله بن زايد دمشق ليُطبِّع "المُطبَّع"، بل للاحتفال بوأد الثورة التي ستدفن إلى جانب أخواتها في مصر وتونس واليمن وليبيا، وللتخطيط للمرحلة المقبلة التي توجب خلع قناع المقاومة والممانعة، وكشف أسرار العلاقة الحميمة بين نظام تتمسّك ببقائه أميركا وإسرائيل أزيد مما يتمسّك هو بعروشه وكراسيه؛ لأنّه خير من يخدم مصالحهما وأهدافهما الخفية، وإن من باب "الشعارات" والتنظير، فهما تحتاجان إلى هذين النمطين معاً؛ التطبيع المعلن، والتطبيع الخفيّ.