المظلوميّة اليهودية بخدمة الجلادين الصهاينة

المظلوميّة اليهودية بخدمة الجلادين الصهاينة

14 ديسمبر 2023
+ الخط -

دعماً لحربها على الفلسطينيين، اعتمدت البروباغندا الإسرائيلية تهمة واحدة توجّهها لأي شخصية أو جهة تنتقد سياستها الآن: اللاسامية. أي كراهية أبناء الديانة اليهودية. تعتمد على شواهد قديمة متأصلة: إسبانيا العائدة إلى الكثْلكة منذ قرون، تطرُدهم منها، هم والمسلمون، ومحاكم التفتيش المريعة التي اخترعتها لتعاقبهم على معتقداتهم. إلى الغيتوهات الخانقة والبوغْرومات المريرة التي ذاقوها؛ بداية مع الروس، ومن ثم مع بقية دول أوروبا الشرقية، حتى امتدادها إلى الغربية منها. وذروتها المحرقة المنظّمة، المدروسة، "العلميّة"، التي قادها العقل الألماني النازي، بزعامة هتلر. قضت هذه المظْلَمة الأخيرة على ملايين اليهود، وشرّدتهم وبعثرتهم. فصار لها اسم، الهولوكوست، أو المحرقة، أو المظلوميّة اليهودية. وهي المفردة، أو الحجّة الأكثر وروداً عندما تتحدث البروباغندا الإسرائيلية عن المعادين لها، اللاساميين: أن هؤلاء لا يعترفون بأننا ظُلمنا على مدار التاريخ.

حصلت المحرقة في نواح عديدة من ألمانيا في أثناء الحرب العالمية الثانية. وكان توثيقها، والإعلان عن براهينها، وشهادات الناجين منها، من أقوى الديناميكيّات التي أنجحت المشروع الصهيوني في فلسطين. المحرقة، تلك الجريمة الفريدة في ذاكرة البشرية، أصبحت، بعد ذلك كله، القاعدة "الأخلاقية" التي بنت إسرائيل عليها شرعيّتها. أن اليهود مظلومون طوال التاريخ، أنهم بعد المحرقة بلغوا ذروة عذاباتهم، أنهم مثل بقية الشعوب يحقّ لهم أن يكون لهم وطن، يأمنون إليه، ويتحرّرون من الغيتوات واللاسامية والكراهية التي يخصّهم بها الأوروبيون... إلخ.

ونحن، بسبب المظلومية الجديدة التي أوقعنا بها تأسيس دولة إسرائيل هذه، لم يكن في وسعنا أن نرى اليهود إلا أشراراً في الجوهر. من الأساس أشرار. أشرارٌ أبديون، لا يمكن أن يكونوا عرفوا الظلم، أو الاضطهاد أو المحرقة.

يصعب في هذه اللحظة أن تتصوّر أن جلادك كان ضحية ذات يوم. هذا جهدٌ روحي، تتوَّسّله من الأنفس الهادئة، المطمئنة، المعفيّة من الهول المباشر للحرب وآفاتها

لذلك، في تسعينيات القرن الماضي، عندما برز كاتب فرنسي، اسمُه روجيه غارودي، ينْكر المحرقة، وينْكر تنظيمها والتخطيط لها، ويتهم الصهاينة بالتعاون مع النازيين... طرْنا من الفرح. فكان الاحتفاء به في بعض العواصم المشرقية، ودعوته إليها؛ دمشق، عمّان، ثم بيروت. في العاصمة الأخيرة، استقبله منتديان لهما ميول يسارية، المنتدى القومي العربي والمؤتمر الدائم لمناهضة الغزو الثقافي الصهيوني، فكانت ندوة تكلم فيها، ورحلة إلى الجنوب، وجولة في بيروت والجبل اللبناني؛ وتقديراً "لنهجه السياسي والثقافي"، و"إيمانه الروحي وشجاعته"، اكتسب في هذه الزيارة لقب "الشيخ روجيه غارودي" (انظر إلى لقب "أبو علي بوتين"، على الرئيس الروسي، بعد سورية وأوكرانيا).

بعد ذلك، تُرجم كتاب غارودي، "الأساطير المؤسّسة للسياسة الإسرائيلية"، إلى العربية في دارَي النشر، الشروق في القاهرة والكتاب في دمشق. ودعي عام 1998 إلى معرض الكتاب الدولي في القاهرة، ورحّب به مصريون كبار، أمثال محمد حسنين هيكل ونجيب محفوظ والشيخ محمد الطنطاوي. وجمعت تبرّعات عربية لدفع تكاليف المحاكمة التي أقيمت ضدّه في فرنسا، إذ كان ممنوعاً نكران المحرقة. ولكن تبيّن أيضا أنه اعتمد في كتابه على مرجعَين فقط، لمؤرخَين كل كتابتهما حول إنكار المحرقة. وعندما تطوّرت مواقف روجيه غارودي الأخرى، وقد أوصلته إلى تأييد أحزاب اليمين المتطرّف، لم نأبه بذلك. بقينا على إعجابنا به، رغم أننا نسيناه طوال هذه السنوات. نسيْنا غارودي، ربما لأنه جاء من يأخذ مكانه، وبقوة، وسط غبار الحرب الطاحنة التي تخوضها إسرائيل ضد أهل غزّة والقطاع.

التظاهرات العارمة التي تشهدها العواصم والمدن الغربية تملأ قلوبنا فرحاً، رغم الأسى. غير مصدّقين بأن أعلام فلسطين ترفرف في هذه البقع، بتظاهرات واعتصامات وفعاليات ثقافية وشبكية. الكثير من الفئات، التقدمية، الليبرالية، اليسارية، الأقليات، الهنود الحمر (الأمم الأولى)، تشترك في هذه التي تشبه انتفاضة شعبية سلمية غربية من أجل فلسطين. ولكن أيضا، في هذه الأنشطة الداعمة لفلسطين، هناك مشتركون من فئة "السوبْرِماتيسْت"، العنصريين البيض من اليمين المتطرّف، وبعضهم ذوو ميول نازية. وهؤلاء هم الخزّان الانتخابي الأقوى لدونالد ترامب في الرئاسيتين، السابقة والمقبلة؛ مجموعات اشتُهرت بعدوانيّتها تجاه يهود وعرب أميركيين على حد سواء. يكرهون اليهود، لأنهم يرون فيهم شيوعيين محتملين، وأصحاب المال والمصارف، يسيطرون على الإعلام وهوليوود، يقومون بعمليات تجاريةٍ مشبوهة، لا ضمير عندهم... وهيمنتهم على كل هذه القطاعات تهدف إلى "إبادة البيض".

الاعتراف بالمحرقة النازية ضد اليهود هو الوسيلة الوحيدة لوقف الابتزاز الذي تمارسه البروباغندا الإسرائيلية ضد أي جهةٍ تناصر الفلسطينيين، مهما كانت نبْرتها

إليك بعض ممثلي أولئك "السوبْرماتيسْت": جاكسون هنْكل. شابٌّ في بداية العشرين، إنْلفونْسر، له مليونان ونصف المليون متابِع. من اليمين المتطرّف المؤامراتي. ارتفع عدد متابعيه هذه الأيام بصفته مدافعاً عن الفلسطينيين، يمجّد حركة حماس وهتلر، ويهاجم إسرائيل. مثله بالضبط رفيقَاه، كث يوود ولورد بيبو. ونشاطهم التواصل والإنترنتي يغرق الشبكة بمواقفهم وتصريحاتهم "إلى حدّ أن الجميع نسي كلماتهم السابقة المعادية للمسلمين والعرب" (بحسب أحد المعلِّقين الأميركيين).

وللتذكير، لا يختلف أيقونتهم، دونالد ترامب، كثيرا عنهم. في حملاته الانتخابية، يتحمّس لجمهوره "السوبْرماتيسْت"، الذي يرفع يافطاتٍ مكتوبا عليها: "اليهود لن يأخذوا مكاننا"... يساندهم، يمتدح أعمالهم. يُنكر عن نفسه صفة اللاسامية، يقول "أنا أقلّ شخص يمكن في الدنيا أن تصفه باللاسامية". ولكنه في الواقع يستخدم كل الكليشيهات اللاسامية، يشجّع عليها، يتسامح معها.

على المقلب النقيض، مواقفُ تميّزت بها الحكومة الألمانية، التي دخلت بثقلها مع إسرائيل في هذه الحرب. ولم تتزحزح. السرّ وراء هذا "الثبات" الألماني؟ عقدة المحْرقة نفسها التي نحن بصددها. كلمات قليلة تلخّصها المستشارة الألمانية السابقة، أنجيلا ميركل. تزور بقايا المحارق النازية في ألمانيا، وتقول، في ختام إحداها في أُسْويتش: "أن نتذكر الجريمة، أن نسمّي مرتكبيها، أن نكرّم ضحاياها ونعيد لهم كرامتهم... فهذه مسؤوليتنا. وأن نعي أن هذه المسؤولية هي من صميم هويتنا الوطنية". فكانت عقيدتها الواضحة: أمن إسرائيل بالنسبة لألمانيا "مصلحة الدولة". خليفتها، أولاف شولتز، يحافظ على هذه العقيدة، يعلن من تل أبيب، بعد أيام من "طوفان الأقصى": "ألمانيا ليس لها إلا مكان واحد: أن تكون إلى جانب إسرائيل (...) إن تاريخنا الخاص، مسؤوليتنا في المحرقة، يلزماننا بضمان وجود إسرائيل وأمنها. هذه المسؤولية بوصلتنا" (وفي الوقت نفسه، ألمانيا أكثر الأوروبيين كَرَماً مع السوريين الهاربين من بشّار الأسد. تستقبل مليونا ونصف المليون منهم...).

السلام الحقيقي العادل سوف يعترف بمظلوميّتي الفلسطينيين واليهود على حد سواء، الأولى جديدة والثانية قديمة

هكذا يسهُل علينا إنكار المحرقة، والوقوع في اللاسامية، ليس كما يقدّمها نتنياهو بصفتها حجة قتل الفلسطينيين وتدميرهم، إنما من منظور اللحظة الراهنة، فيصعُب الاعتراف بها. يصعب في هذه اللحظة أن تتصوّر أن جلادك كان ضحية ذات يوم. هذا جهدٌ روحي، تتوَّسّله من الأنفس الهادئة، المطمئنة، المعفيّة من الهول المباشر للحرب وآفاتها.

ولكن أيضاً: الاعتراف بالمحرقة فعل إنساني صميمي، يسهّل فهم تحوّل الإنسان من جلاد إلى ضحية. أعني أن سيرتنا، بوصفنا بشرا، تزخر بضحايا تحوّلوا إلى الجلادين؛ المحرقة اليهودية التي كان لها الفضل الأكبر بتأسيس دولة إسرائيل، فوفّرت المشروعية الكاملة لتحوّل الضحية اليهودي إلى جلاد... ليست سوى حكاية من حكاياتها. وهذا الاعتراف هو الوسيلة الوحيدة لوقف الابتزاز الذي تمارسه البروباغندا الإسرائيلية ضد أي جهةٍ تناصر الفلسطينيين، مهما كانت نبْرتها. بفضله، تُبحر مخيّلاتنا في أعماق عذابات غيرنا. وهذا فعلٌ قد يحصل، بعد انتهاء الحرب والشروع في مفاوضات، وفي مرحلة لاحقة، خلال العمل على إنشاء دولة واحدة يهودية فلسطينية ديمقراطية... سوف يأتي يومها مهما تأخّرت. ساعتها، لا بد لنا من القول إن اليهود ذات يوم كانوا ضحايا. لتردّ إسرائيل بأن اليهود في ظلّها تحوّلوا إلى جلادين، فتكفّر عن ذنبها (تتساءل كاتبة إسرائيلية: كيف غطّت النكبة على الهولوكوست في الإعلام الأميركي منذ 7 أكتوبر؟)

السلام الحقيقي العادل سوف يعترف بمظلوميّتي الفلسطينيين واليهود على حد سواء. الأولى جديدة والثانية قديمة. وإلا بقي هذا السلام عابراً، يندرج، كما الذي سبقه، في خانة السلام المستحيل والحروب الدائمة... مكتوبَين على جبيننا.