القاهرة ورام الله والمقاومة في غزة

القاهرة ورام الله والمقاومة في غزة

16 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

على أثر الحرب على قطاع غزة التي استمرت 11 يوماً (10/5 ـ 21/5/2021)، والجهود القطرية المصرية الأميركية لوقف إطلاق النار، والشروع في إعادة إعمار ما دمّرته القوات الإسرائيلية في القطاع، دعت الحكومة المصرية إلى اجتماع للفصائل الفلسطينية في القاهرة، بهدف تثبيت وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات الإنسانية العاجلة إلى القطاع، والشروع في إزالة أنقاض الدمار الذي حلّ بالقطاع (1174 وحدة سكنية دمّرت كليا أو جزئيا، 7073 وحدة سكنية ألحقت بها أضرار نتيجة للقنابل الزلزالية "الارتجاجية" بشكل متوسط أو جزئي، عدد الوحدات السكنية المدمرة كليا 449 إضافة إلى خمسة أبراج: المكتب الإعلامي الحكومي في غزة)، واستشهاد 250 وجرح أكثر من ألفي فرد من المدنيين. ثم أعلنت الإدارة المصرية تأجيل الاجتماع الذي كان مقرّراً يوم السبت الماضي إلى موعدٍ غير معلن.

(2)

يروي مصدر مطلع أنّ الأسباب التي دعت القاهرة إلى تأجيل الاجتماع هي تعنّت مفاوضي السلطة العباسية في شروطهم لإتمام عملية الاجتماع، وتباين وجهات النظر في تنفيذ عملية إعادة إعمارغزة، وبنود جدول الأعمال. ترى حركة فتح أنّ نقطة البدء في حوار القاهرة تبدأ من تشكيل حكومة إنقاذ وطني، تعلن حركة حماس فيها أنّها توافق على برنامج منظمة التحرير، وقرارات الشرعية الدولية. يعني ببساطة أن تقبل بنود اتفاق أوسلو الموقع عام 1993، وما لحق به من تنازلات واتفاقيات، بما فيها الاتفاقيات الأمنية، بينما ترى "حماس" أنّ نقطة البدء هي من منظمة التحرير الفلسطينية، الأمر الذي ترفضة "فتح"، وهنا عقدة النجار.

حركة "فتح" حركة تحرر وطني، وعلى كوادرها أن يسارعوا إلى إعادة تصحيح مسارها الوطني

إلى جانب ذلك، اشترطت سلطة رام الله على مصر عدم دعوة ثلاثة فصائل مقاومة في غزة، لحضور جلسات الحوار مع بقية الفصائل؛ حركة الأحرار، وحركة المجاهدين، ولجان المقاومة الشعبية، بدعوى أنّها نسخ من حركة "حماس" وأنّ دعوتها لحضور حوار القاهره الفصائلي سيضفي عليها الشرعية. وهنا يجب القول إنّ الشرعية هي لمن حمل السلاح من أجل تحرير الأرض واستعادة الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، ولا شرعية لسواه. وعملياً، سقطت شرعية سلطة رام الله نتيجة حرب الأحد عشر يوماً على غزّة، لأنّ جميع الاتصالات الدولية كانت تجري مع غزّة لإيقاف الحرب، لأنّها المعنية بذلك، وليست رام الله.

استطاعت المقاومة في القطاع أن توحد الشعب الفلسطيني في كلّ أرجاء فلسطين، من النهر إلى البحر، إلى جانب فلسطينيي مخيمات اللجوء وفلسطينيي الشتات. وخرجت الجماهير الشعبية في عواصم ومدن عدة تنديداً بالعدوان الإسرائيلي، وانتصاراً للمقاومة في غزة، فأيّ شرعيةٍ تبحث عنها سلطة رام الله بعد هذا؟

(3)

لا تسعى السلطة الوطنية في رام الله، منذ 1993، إلى تحرير فلسطين أو تحقيق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أملاكهم، وإنّما تعمل على التعايش مع المحتل، لتحقيق مصالح ذاتية آنية لشخوص قياداتها. وفي حرب الأحد عشر يوماً حالت دون مشاركة مواطني الضفة الغربية لنصرة إخوانهم في غزة وبيت المقدس وحي الشيخ جرّاح، وإن عبر مسيرات سلمية احتجاجية. وكانت الاتصالات مع وزير خارجية الولايات المتحدة أنتوني بلينكن تجري مع عباس، للعمل على عدم انتشار المقاومة إلى الضفة الغربية، إلّا أنّ الشعب، على الرغم من كلّ تهديدات السلطة وتحذيراتها، آثر عدم الاستكانة، فسارت المسيرات في مدن الضفة وقراها، إلا أنّها ووجهت بمقاومة من كوادر السلطة الأمنية والجيش الإسرائيلي الموجود على تخوم مدن الضفة الغربية.

الشرعية هي لمن حمل السلاح من أجل تحرير الأرض واستعادة الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، ولا شرعية لسواه

وما برحت اعتداءات المستوطنين الصهاينة المسلحين على المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتحت حماية الاحتلال تتصاعد. وزادت أعداد الشهداء والجرحى، وكذا اعتداءات حرق مزارع وهدم ممتلكات. واعتقل الاحتلال 1100 فلسطيني الشهر الماضي (مايو/ أيار)، وهم الذين من المفترض أن يكونوا تحت حماية سلطة رام الله وقواها الأمنية من أيّ اعتداء. همُّ سلطة رام الله جمع المال من المانحين وجمع الضرائب، لكي تصرف رواتب كوادرها الأمنية وقياداتها الإدارية، بالتعاون مع إسرائيل.

(4)

أبلغ أمين سرّ اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب السلطات المصرية بأنّ إعادة إعمار غزة "ليست قراراً مصرياً، بل هو قرار الحكومة الفلسطينية بالدرجة الأولى". وكأنّه يحتج على إدخال مصر إلى القطاع آليات ومعدّات للعمل على إزالة الأنقاض ومخلفات العدوان الإسرائيلي من دون تنسيق مع سلطات رام الله. وقد جال رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتيه على بعض دول الخليج العربي، في الأسبوع الماضي، بغرض إعاقة تقديم الدعم لغزة إلا عن طريق رام الله، وقوبل بصمت في بعض عواصم الخليج تجاه ما طرح، وقال آخرون له: "إن شا الله يصير خير"، ولهذه العبارة معناها في الخليج العربي. وكان رأي القيادة القطرية أنّ إعادة الإعمار يجب أن تتم عبر لجان خاصة، وتحت إشراف دقيق، وتشترط "حماس" ألا تكون هذه اللجنة حزبية، بل تضم كفاءات فلسطينية. وقد زار الدوحة عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" حسين الشيخ، وطلب من المسؤولين القطريين "أن يتم أيّ دعم مالي لإعمار غزة أو غير ذلك عبر السلطة". وفي السياق، اتصل محمود عباس بقيادات إسرائيلية بارزة، مبدياً تشدّده في ملف إعادة إعمار غزة، والمعونات التي تقدم لمواطنين في القطاع، وأن يكون فتح المعابر وإدخال مواد الإعاشة للقطاع وتشغيل محطات الكهرباء وفتح مساحات الصيد في بحر غزة بإشراف من السلطة، واقترح على الإسرائيليين أن تمرّ المنحة القطرية الشهرية لقطاع غزة عبر سلطة رام الله، مع الإشراف على توزيعها، علماً أنّ الأمم المتحدة وإسرائيل تعلمان أنّ المساعدات القطرية لأهل غزة تقدّم لأسر مدنية. والحق أنّ القاهرة عبّرت عن استيائها من سلطة رام الله، بسبب ما سمّته "الالتفاف على الجهود المصرية الرامية إلى التهدئة" وإيجاد حلول تكون سارية المفعول لأجل طويل. وقد استاءت مصر من اتصال عباس بالإسرائيليين، وتشدّده في ملف إعادة الإعمار وإدخال المساعدات الإنسانية.

آخر القول: "فتح" حركة تحرر وطني، وعلى كوادرها أن يسارعوا إلى إعادة تصحيح مسارها الوطني، ولن يكون ذلك إلا بتنحية محمود عباس وأتباعه، والتبرؤ من كلّ اتفاقاته ومعاهداته مع العدو الإسرائيلي.