الفلسطينيون في حقبتهم الجديدة

الفلسطينيون في حقبتهم الجديدة

10 يونيو 2021
الصورة

(محمد نصرالله)

+ الخط -

مشهد الفلسطينيين في الثامن عشر من مايو/ أيار الماضي، كان منقطع النظير. اتحدوا جميعاً. من النهر إلى البحر، وخارجهما، حتى أبعد نقطة في هذا الكوكب. ليس إضرابا عاماً كالذي عمّ كلّ الأرض الفلسطينية، إنّما دعماً معنوياً سياسياً، على المواقع، في الشوارع. حيثما يمكنكَ أن تتخيّل من وجود فلسطيني، كانت ثمة وثْبة في ذلك اليوم، اتحدت فيها أرواح كلّ الفلسطينيين، مهما ابتعدوا عن وطنهم الأصلي، ومهما طال هذا البُعد.
خذْ، على سبيل الحصر: في فلسطين التاريخية نفسها، اتفق فلسطينيو الداخل (1948) مع فلسطينيي الضفة الغربية ونظرائهم في قطاع غزة، ومن دون تحضير ولا تجييش، على حركة 18 مايو. ومعهم، فلسطينيو المخيمات في لبنان والأردن. ثم أولئك الذين وقعت قُرعة القدر ليكونوا من فلسطينيي الدول العربية، مهاجرين مؤقتين أو دائمين، كأصحاب كفاءات عالية، أو مديري شركات استثمارية وموظفين. تجدهم في الخليج، لكن أيضاً في مصر وليبيا والجزائر والسودان وتونس، الأقدم منهم هجرة أو تهجيراً. وأخيراً، فلسطينيو الأميركتَين، الشمالية والجنوبية، وأستراليا وأوروبا، الذين خرجوا في تظاهرات، ونشطوا في نقاشاتٍ ومقالاتٍ وحملات إعلامية، فنية، مهرجانية، على الرغم من حدود التباعد والكمامات، والكَسل السياسي الذي تربّى على يد الحجْر الإلزامي.

كانت المعركة بين إسرائيل و"حماس"، بين الوحشية الإسرائيلية والتصدّي البطولي لها، ما رفع منسوب الحماسة لـ"حماس"، وسط مروحة واسعة من الفلسطينيين

ويُلحظ أنّ هذا الفريق الأخير من الفلسطينيين كان الأكثر أثراً في الرأي العام العالمي. والأكثر تناغماً مع ما يمكن أن يكون الأيديولوجية الجديدة، الآخذة بالانتشار الآن: إيديولوجية حقوق الإنسان، وكلّ ما يلحقها. وهذه المرّة، هذه الحقوق ليست حكراً على لسان القادة الغربيين، وتلاعبهم بها، وحسابات مصالحهم بها. كلّا. هذه المرّة، هذه الحقوق مرفوعة على أكتاف منظمات حقوق إنسان، تطوّرت لغتها، وتبلورت مفاهيمها. بعدما كانت مهذّبة ملطّفة، مدوِّرة للزوايا الحادة، محتارةً بين قول الحق كاملاً وحفاظها على وجودها. هذه المرّة، انكسرت جرّتها، ربما للمرة الأولى، وبهذا الإجماع. فالمنظمات العالمية الثلاث المتخصّصة بحقوق الإنسان، اتفقت على وصف واضح و"صادم" للنظام الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين: إنّه نظام فصل عنصري ممنْهج (أبارتهايد). ليس هذا وحسب. بل إنّ جمعيتي حقوق الإنسان الإسرائيليتين "يشدين" و"بيتسلم" أجمعتا على هذا التوصيف الصريح.
لكن، في هذه الأثناء، كانت المعركة بين إسرائيل وحركة حماس، بين الوحشية الإسرائيلية، والتصدّي البطولي لها، ما رفع منسوب الحماسة لـ"حماس"، وسط تلك المروحة الواسعة من الفلسطينيين. وصارت التظاهرات داخل إسرائيل، كما في الضفة، من أنصار العمل المدني، الحقوقي، أو من أنصار حركة فتح "الحاكمة" المنافِسة، كلّها تهتف لـ"حماس". ولدى من حُرم من هذا البوح العلني، عن تحيّز مضاد، أو عن كتْم للأنفاس، فإنّ "حماس" عندها في القلب.

شراسة العدوان على غزّة أشعلت الرأي العام العالمي نفسه المؤيد للحقوق عن طريق الحقوق. وكانت جاذبية سلبية هشّة، مرهونة بسياقاتها الخطيرة

إذاً، استطاعت "حماس" أن تترافق مع، أو أحياناً تطغى، على النزوع "الحقوق إنساني" الذي أشعل الانتفاضة الفلسطينية، ثم دعمها عالمياً. لكنّها في كلّ الأحوال طرحت إشكالية حقيقية: أنّ الداعية المسالم، المهموم بالإنسان وحقوقه، يؤيد ويفرح ويصفق للصواريخ المنهالة على إسرائيل، ترميها منظمة استبدادية ظلامية، فارضة شروطها على مليوني فلسطيني، تشعل حروباً متتالية، أو تستجيب لطلب الحروب الإسرائيلية... إلخ.
وهذا التعايش بين النظرتين يمكن أن تجِد له تفسيرأً: فشراسة العدوان على غزّة أشعلت هذا الرأي العام العالمي نفسه المؤيد للحقوق عن طريق الحقوق. وكانت جاذبية سلبية هشّة، مرهونة بسياقاتها الخطيرة، ذلك أنّ العدوان على غزّة توقّف من دون أن تُعلن شروطه. ولاحَ في الأفق تجديد التدخل المصري في غزّة، المساهم والوسيط بين جميع الأطراف لوقف إطلاق النار، فيما معطياتٌ كثيرة تضع هذه التجربة المصرية المتجددة في حالة تشابه ومقارنة مع الانغماس السوري في لبنان، إبّان تلزيم أميركا شؤونه لحافظ الأسد. ففي وقتٍ يقبع فيه سجناء فلسطينيون من "حماس" في السجون المصرية، إلى جانبهم زملاء "مدنيون" من غير "الإخوان المسلمين" وفي الوقت الذي يصدر النظام المصري إلى إعلامه أمر البكاء على الفلسطينيين، ويمنع نشر أيّ مقال تحليلي جدّي، ويحجب المواقع الإعلامية النقدية، يمنع أيّ تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين، ويعتقل من تجرّأ على النزول الى الشارع، وإن منفرداً، تضامناً مع الفلسطينيين... يستعيد هذا النظام نفسه دوره المفقود، فيبادر إلى "السعي" إلى وقف إطلاق النار، وينجح. ثم لإعادة بناء غزّة على يد الاستخبارات، وبمبالغ "مساعدة" خيالية، نصف مليار دولار... بتكليف أميركي وتمويل عربي... ليُدخل غزة في أتونٍ جديد، يشبه لبنان، يأتمر أمراؤها بالقرار المصري، مضطرّين لألف سبب وسبب، ويتبنّون حسابات صديقة، أو منافِسة، أو عدوة، ولغة "موازين القوى" المالية والعسكرية والجغرافية، فتتجدّد الدوامة بين نظام إقليمي منتدَب من النظام العالمي وغزّة المحاصرَة غرباً وشرقاً. وخذْ ساعتها على اهتراء... و"المسار" مجهول النهاية، لكَ من لبنان شاهد مسبَق عليه.

أشدّ ما يحتاج إليه أهل غزة "التلازم بين المسارين" الغزي واللبناني، فهو سوف يريح العقول للتفكير بالحقوق المرفوعة عالياً

هذا "التلازم بين المسارين" الغزّي واللبناني، مجرّد احتمال. وحسَنَته الوحيدة أنّه لو سار كما هو مطلوب، أي أرسى استقراراً أمنياً، أقلّه على المدى المنظور، وهو أشدّ ما يحتاج إليه أهل غزة، فسوف يريح العقول للتفكير بالحقوق المرفوعة عالياً، وقد أعادت النقاش من حيث بدأ: هل نريد "أوسلو" و"مدريد" أم إبقاء الإصَبع على الزِناد؟ هل نريد دولتَين؟ أم دولة واحدة؟ أم فلسطين ما بعد 1967؟ أم 1948؟ وهو نقاش متروك للكبار. لشدّة ما هو عائم وضبابي، لسهولة تلقّفه والتخلص منه، لتصوراته المجرّدة وبعيدة المدى. نقاش يمكن أن يمتدّ قرناً آخر، بلا نفْع.
ما الممكن إذاً، الآن؟ ما المنسجم مع أساس الطلقة أيديولوجية الحقوق إنسانية؟ ما المنْسجم مع الحياة الملموسة للفلسطينيين الواقعين بين أنياب أعداء سافرين ومقنَّعين؟ لائحةٌ من الممْكنات، غير مكتملة بالطبع، لأنّها مستقاةٌ من وقائع متفرّقة: الحدّ من الحواجز العسكرية، والسماح بإقامة تجارة مستقلة، والتوقف عن تقنين جوازات قيادة السيارات، وفتح باب التكنولوجيا وخدماتها، وإلغاء التوقيف الاعتباطي، غير القانوني، والسماح بالصلاة في الأقصى، وإلغاء التمييز القانوني، وإلغاء كلّ أشكال الفصل العنصري، وكلّ ما يترتب عنه من انتهاكاتٍ للجسد وللفرد وللملكية وللحياة .. والأهم من ذلك كله إجراء الانتخابات التشريعية في الضفة الغربية وقطاع غزة، بأسرع ما يمكن، وتحديد تواريخ الاستحقاق والإجراءات، بالتفصيل. بل ربما أيضاً الضغط على الحزب الإسلامي الإسرائيلي العربي، بقيادة منصور عبّاس، الذي يشارك الآن في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي الجديد، وبلائحة من المطالب - الحقوق الخاصة بفلسطينيي الخط الأخضر.
صعبة كلّها هذه الحقوق، وصعبة كلّ واحدة وحدها. وبينها وبين تحقّقها انتفاضات، وتضحيات، وتعقيدات، وصعود وهبوط. وأن تبدأ بأخذ مسارها، فهذه عاصفة مُنعشة في بحر العرب الراكد. انتصارات مختلفة عن المعهودة، وخطوات صغيرة متحقّقة. وجيل فلسطيني كبر في الغرب، واستمدّ منه أدوات تفكير، وسلوكيات، وشبكات، وآراء، ومهارات، وشخصيات، كانت أولى بوادرها الراحل إدوارد سعيد. ومن بعده، لا تحصى الوجوه والطاقات والموارد الفلسطينية... المستقبل أمامها.