العودة إلى سيناريو "صدام الحضارات"

27 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

من الطبيعي أن تُشغل تصريحات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، العالم بأسره، فالرجل أشعل النار، مرّة أخرى، في حقل غاز كبير، وأجّج العواطف الدينية، ومنح المادة المطلوبة لدعاة صدام الحضارات والأديان والمتطرّفين على الجانبين، بخاصة مع نمو الحركات الفاشية واليمينية المتطرفة في أوروبا، التي لم تعد تهدّد الجاليات المسلمة، بل قيم الديمقراطية الأوروبية نفسها!

جاءت هذه التطورات غداة الجريمة الإرهابية التي وقعت قبل ذلك بقتل أحد المدرّسين (معلم الجغرافيا والتاريخ صموئيل باتي في مدرسة) نتيجة عرضه رسومات مجلة شارلي أيبدو التي أساءت للرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم)، في تدريسه حرية التعبير والرأي، فجاء شاب من أصول شيشانية (18 عاماً) وتتبعه، وقطع رأسه، ما أثار سخطا وغضبا شديدين في فرنسا.

بالضرورة، لا يمكن عزل ذلك عن سياقات مهمة وحسّاسة، ترتبط أولاً بنمط العلمانية الفرنسية التي تأخذ موقفاً صارماً في مجال الحريات العامة وحق التعبير، بخاصة في موضوع الدين (أي دين المسيحي أو الإسلامي حتى)، ما يمكّننا من فهم ردود الفعل السياسية والإعلامية الحادّة التي تؤكد "حماية القيم العلمانية" لفرنسا، بخاصة مع الحيرة في التعامل مع الجاليات المسلمة هناك، والتي تنتمي لهوية إسلامية واضحة. 

تجاهلت تصريحات ماكرون نمو التيار اليميني المتطرّف الشعبوي في فرنسا، والذي يستخدم "الإسلاموفوبيا" لترويج الكراهية والعداء للمسلمين

في المقابل، تجاهلت تصريحات ماكرون السياق الآخر، وهو نمو التيار اليميني المتطرّف الشعبوي في فرنسا، والذي يستخدم "الإسلاموفوبيا" لترويج الكراهية والعداء للمسلمين، بوصفهم خطراً داخلياً كبيراً، ما قد يؤدي (وحدث ذلك بالفعل) إلى سلسلة من الأحداث المرتبطة بهذا الخطاب، في ألمانيا وفرنسا، وقد تمتد إلى باقي دول أوروبية.

لا يخرج خطاب الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عن سياق التصعيد وتأجيج المشاعر الدينية الساخطة أو الغاضبة، ففي وقتٍ يسجّل فيه نقاطاً مهمة في رصيده لدى شريحة واسعة من الشعوب والمجتمعات العربية والمسلمة المستفزّة من تصريحات ماكرون، ويبدو مدافعاً عن الرمزية الإسلامية في مواجهة "الخطاب العدائي"، فإنّ مثل هذا الخطاب لا يساعد على تجنب سيناريو "صدام الحضارات" بل يدفع نحوه بقوة.

من المعروف أنّ التوترات ازدادت بين تركيا ودول أوروبية عديدة، سابقاً ألمانيا ولاحقاً فرنسا، لكن استدراج "المسألة الدينية" إلى هذه اللعبة السياسية له عواقب وخيمة، تتجاوز حالة الصدام السياسي والفكري بين ماكرون وأردوغان لأسباب سياسية، فلدى الرجلين جمهور ينتظر هذا الخطاب، لكن هنالك أطرافا أخرى ستستفيد أكثر وتوظّف ما يحدث لخدمة أجندة متطرّفة وعدائية.

فرصة جاءت على طبق من ذهب لتنظيم داعش الذي يلملم جراحه بعد الهزيمة العسكرية الكبيرة

وإذا كنّا قدام اليمين الصاعد طرفاً خطيراً ولديه أجندة سياسية ضد المسلمين، فإنّ ما يحدث بمثابة فرصة جاءت على طبق من ذهب لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي يلملم جراحه بعد الهزيمة العسكرية الكبيرة في العراق وسورية، ولا يوجد أفضل من هذه الخطابات والحوادث، لتؤكّد دعايته السياسية المتماهية مع صدام الحضارات، لإعطائها زخماً ومادة جديدة وتفعيل الخطاب التحريضي وبناء القدرات في التجنيد في أوساط الجاليات المسلمة والعربية في أوروبا، بخاصة الدول الفرنكفونية التي كان التنظيم فاعلاً فيها خلال فترة صعوده (2014 - 2016)، وقام بعمليات عديدة مروّعة في كل من فرنسا وبلجيكا.

المفارقة أن عملية قتل المعلّم الفرنسي تزامنت مع إعادة نشر صحيفة شارلي أيبدو الرسوم المسيئة للرسول الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول)، في ذكرى مرور خمسة أعوام على الحادثة، (وبالتزامن مع نظر محكمة الجنايات الفرنسية في وقائع القضية)، التي نفذها عضوان في تنظيم القاعدة، بمساعدة من أحد عناصر "داعش"، ثم استمرت المطاردات مع الشرطة، وأدت إلى 20 قتيلاً. 

تُستعاد اليوم هذه الأحداث، وتشعل سيناريو صدام الحضارات، فنسبة كبيرة من الفرنسيين تعتبر نفسها الآن في حالة "تعبئة وطنية" للدفاع عن قيم الدولة وحرية التعبير. وفي المقابل، شريحة اجتماعية عريضة من المسلمين ترى أنّ هنالك هجوماً متعمّداً على الرموز الإسلامية، واستفزازاً كبيراً لمشاعرهم الدينية، ثم تأتي الخطابات السياسية المتماهية مع هذه المخاوف والمشاعر (بما يذكّرنا بكتاب غوستاف لوبون سيكولوجيا الجماهير) لتنقل مسارات الخطاب إلى الغرائز والمخاوف والعواطف وتجذير المشكلات وتصعيدها، بدلاً من الاحتكام إلى العقل وتبريد المشاعر الملتهبة. 

استدراج "المسألة الدينية" إلى اللعبة السياسية له عواقب وخيمة، تتجاوز حالة الصدام السياسي والفكري بين ماكرون وأردوغان

أخطر ما في الأمر، التزامن بين هذه الأحداث وسياسة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تجاه القضية الفلسطينية، التي تملك هي الأخرى رمزية كبيرة لدى المسلمين، ثم اتفاقيات التطبيع العربية مع إسرائيل، ما يعبّد الطريق تماماً لخطاب "داعش" الذي لم يتأخر بدوره عن اقتناص الفرصة، فأكّد المتحدث باسمه أبو حمزة المهاجر (في خطابه أخيرا "فاقصص القصص") على أنّ التنظيم قد جعل القضية الفلسطينية من بين أولوياته في المرحلة المقبلة.

صحيح أن خطاب "صدام الحضارات" (معروف أنّ المصطلح يعود إلى عنوان كتاب أحد أبرز علماء السياسة في الولايات المتحدة الأميركية صموئيل هنتنغتون)، وأنّه منذ عقدين ونصف العقد تقريباً مطروح، لكنّ الظروف الحالية اليوم تعزّز منه، وتعطي زخماً لأنصاره من الخصوم على الجبهات المختلفة، وإذا كانت اللعبة يستخدمها بدايةً بعض السياسيين، فإنّ نهايتها ستكون في الشوارع ودور العبادة والتجييش والتحريض الشعبوي، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، ولعلّ أكثر المتضرّرين من ذلك هم عشرات الملايين من المسلمين المقيمين في الغرب.