العنصرية والتعصب ليسا حكراً على شرق أو غرب

العنصرية والتعصب ليسا حكراً على شرق أو غرب

19 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

قصص كثيرة يرويها أصدقاؤنا ورفاقنا المهاجرون في المنفى الاختياري في أوروبا، وقصص أخرى أكثر رعبا نقرأها من إخواننا السوريين وطالبي اللجوء في أوروبا.

نُشر قبل أكثر من عام أن شابا عربيا تقدّم للعمل في مكتب هندسي في ألمانيا، ثم وجد رسالة في بريده الإلكتروني تجيبه بأنه لا عمل للعرب لديهم، فثارت ضجة كبيرة في المجتمع الألماني بخصوص السلوك المعادي للمهاجرين الذي يتزايد في أوروبا يوما بعد يوم.

ولديّ قصصٌ كثيرة أسمعها من أصدقائنا وزملائنا في المنفى عن تعرّضهم لمعاملةٍ فيها بعض العنصرية، أو سماعهم عبارات تعبّر عن الكراهية ضدهم أو ضد العرب والمسلمين بشكل عام، فهناك أصدقاء عديدون أعرفهم، تعرّضوا لممارساتٍ في الشوارع والمواصلات وأماكن العمل من بعض الأوروبيين الذين يعبّرون عن كراهيتهم صراحة لكل المسلمين والعرب، وكل الوافدين إلى بلادهم.

يؤمن الذين يضْمرون مشاعر الكراهية ضد الآخر بنظرية تفوّق الرجل الأبيض، أو يخافون من مزاحمة المهاجرين لهم في رزقهم

وقد تعرّضت، قبل أيام، صديقة لمعاملة عنصرية وسيئة في مطعم في لندن، بسبب ارتدائها الحجاب، رفض أحد العاملين في المطعم خدمتها، ثم تعرّضت، هي وابنتها الصغيرة لموجة من الشتائم الموجّهة لها وللمسلمين والعرب بشكل عام، من نوعية "اذهبوا إلى بلادكم الصحراوية، أيها الهمج، لقد دمّرتم بلادنا بتخلفكم، إنكم تقلّلون من فرص العمل في بلادنا وتسرقون أرزاقنا".

كانت الصدمة كبيرة لصديقتي وابنتها الصغيرة، لم تعلم ماذا تفعل أمام ذلك الصياح وتلك الإهانات، خصوصا مع وجود طفلتها التي كانت مرتعبة من الصوت المرتفع. نصحها بعضهم بعد ذلك بأن تحاول تسجيل تلك المواقف، وطلب الشرطة فورا من دون الدخول في مشاحناتٍ أو شجار، فالشرطة هناك تتصدّى للمتعصبين، بسبب القوانين الأوروبية لمواجهة العنصرية والكراهية، وإنْ كان أيضا هناك بعض رجال الشرطة لديهم مشاعر سلبية تجاه المهاجرين.

يؤمن هؤلاء الأشخاص الذين يضْمرون مشاعر الكراهية ضد الآخر بنظرية تفوّق الرجل الأبيض، أو يخافون من مزاحمة المهاجرين لهم في رزقهم. ولكن بشكل عام يتصاعد الخطاب اليميني في أوروبا كلما زادت موجات الهجرة من دول الشرق الأوسط، وأصبح للأفكار اليمينية والشعبوية جمهور كبير يتزايد كل يوم، كلما تزايد الخطاب الذي ينشر الرعب من تدفق اللاجئين العرب والمسلمين، أو تلك التنظيرات التي تحذّر من ضياع هوية أوروبا المسيحية بعد تزايد أعداد المسلمين.

ويعلم كثيرون أنه كان لتلك الضغوط الداخلية في أوروبا ومشكلات اللاجئين دور كبير في تنامي الاتجاه الزاعم أنّ الديمقراطية في دول الشرق الأوسط والعربية والإسلامية سوف تؤدي إلى الفوضى، وتدفق مزيد من اللاجئين إلى أوروبا. ولعل ذلك تفسير لتهاون الحكومات الأوروبية مع المستبدّين في الشرق الأوسط والحكام العرب، فهناك اتجاهاتٌ عديدةٌ مؤثّرة ترى أن وجود ديكتاتوريات في الشرق الأوسط أفضل كثيرا لمصلحة أوروبا من أجل استقرارها ومنع تدفق اللاجئين، وأن الأنظمة السلطوية القوية ستحقّق الهدوء والاستقرار في البلدان العربية وتضبط الحدود البحرية، ما سيعود بفائدة أكثر على أوروبا، مقارنة بدعم الديمقراطية أو حقوق الإنسان، أو قيم العدالة والحق وتداول السلطة، والتي قد تؤدّي إلى انفلات الوضع، كما حدث بعد ثورات الربيع العربي.

ممارسات عنصرية وممارسات كراهية وتنمّر ضد عديدين من الأفارقة وأصحاب البشرة السمراء في الشوارع المصرية

وهناك تنظيرات أخرى أكثر عنصرية، ولها صدى واسع في الغرب منذ سنوات، ترى أن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وكذلك باقي المعايير والنظريات وأنظمة الحكم الحديثة، غربية المنشأ، لا تتوافق مع الإسلام، ولا التقاليد العربية الإسلامية. ويتفق أنصار السلطوية العرب مع أصحاب تلك الادعاءات، فهم أيضا يزعمون مزاعم مشابهة، من قبيل أنّ حقوق الإنسان والمعايير الغربية، لا تصلح للتطبيق في مجتمعاتنا، وأنّ لمجتمعاتنا العربية خصوصية لا يمكن بها تطبيق تلك الحريات المطلقة التي ستؤدّي إلى فوضى، وهي كلماتٌ يراد بها باطل بالطبع، فهي مبرّرات المستبدّين من أجل استمرارية انتهاكات حقوق الإنسان واستمرارية الحكم المطلق.

على الجانب الآخر، هناك من يرى أنّ أزمات تدفق اللاجئين على أوروبا نتيجة طبيعية للسياسات الاستعمارية الغربية التي أفقرت وخربت الشرق عدّة مئات من الأعوام... إنها بضاعتهم ردّت إليهم، وعليهم أن يتحمّلوا نتائج نهب ثروات الشرق، وتأسيس أنظمة استبدادية موالية لهم، بعد الانسحاب وموجات التحرّر في الدول العربية والأفريقية.

لكن، هل الغرب فقط هو من يعاني من زيادة مشاعر العنصرية والكراهية ضد الآخر؟ بشكل يومي، أشاهد ممارسات عنصرية وممارسات كراهية وتنمّر ضد عديدين من الأفارقة وأصحاب البشرة السمراء في الشوارع المصرية، خصوصا من البلدان التي ليس لها ثقل كبير، ولا تهتم بمواطنيها وحاملي جنسيتها، يتعرّض بعضهم للسخرية من مواطنين يفترض أنهم أيضا بسطاء، مثل سائقي الميكروباص و"التوكتوك"، وبعض البائعين، ولكن هناك من يرغب في ممارسة الظلم نفسه الذي تعرّض له من قبل ضد آخرين، يعتقد أنهم أقل منه. وثمّة من يتلذذ بممارسة سلوك عدواني وعنصري ضد آخرين، يعتقد أنهم أقل شأنا في محاولة لإخراج الكبت الذي يتعرّض له من ممارسات السلطة، يكرّر كل ما يتعرّض له من اضطهاد وسلطوية من أشخاص آخرين ذوي نفوذ، فالسائق الذي يرفض ركوب مواطن أفريقي في سيارته الأجرة، قد يكون هو السائق الذي يتعرّض للمهانة من ضابط الشرطة قبل ذلك بدقائق.

كيف يمكن أن تكافح حكومات عربية التعصب وخطاب الكراهية إذا كانت تشجعهما ضد معارضي سياساتها؟

كتابات عنصرية أخرى تلاحظها أحيانا من بعض المتعصّبين في مصر، وفي لبنان، تجاه إخوانهم السوريين. لا يجب التعميم بالطبع، ولكن هناك أيضا مصريون ولبنانيون يعتقدون أن السوريين يقللون من فرص العمل ويسرقون أرزاقهم، ولذلك يتعاملون بعصبية تجاههم بشكلٍ لا مبرّر له. وذلك فيما أثبت أشقاؤنا الوافدون من سورية نجاحات كبيرة في مشروعاتهم في مصر، مطاعم نظيفة وأكل متميز ومعاملات تجارية منضبطة، ويبدو أن ذلك يضايق بعض المتعصّبين، فتجد، بين حين وآخر، حملات كراهية ضد الأشقاء السوريين من بعض التجار أو السكان المصريين المتعصبين، أو تجد من يستخدم شعارات "مصر للمصريين" و"اذهبوا إلى بلادكم أيها السوريون" أو أن تجد الحملات العنصرية البغيضة والمجنونة التي تهاجم فنانا عربيا (أو فنانة) قال رأيه يوما في الشأن المصري، أو جسّد دورا تاريخيا مصريا.

يتناسى بعضهم أن إقليم مصر والشام كان واحدا في فترات تاريخية عديدة، قبل أن تتحقق الوحدة القصيرة في الخمسينيات، وتناسوا دور الشوام الكبير في نهضة حركة الثقافة والفنون في مصر خلال القرنين الماضيين، وأن بداية الفن والسينما في مصر كانت على يد الشوام. وتناسوا أن نسبة كبيرة من المصريين من أصول متنوعة، نتيجة لتداخل حضارات عديدة في مصر، فقبل العرب كان هناك الرومان، وقبلهم البطالمة والإغريق والفرس، عاش كل منهم عدة مئات من الأعوام، واختلطت جيناتهم وعاداتهم بجينات المصريين وعاداتهم. وفي التاريخ الحديث، هناك الأتراك والمماليك القادمون من وسط آسيا وشرق أوروبا وآسيا الصغرى الذين اختلطوا أيضا بالمصريين عدة مئات من السنوات، فلماذا ذلك التعصّب والتشنج اللذان ينتابان بعضهم.

التعصّب والعنصرية موجودان في كل الثقافات وكل الأماكن، والإنسان بطبعه يميل إلى الانضمام لشيء أو كيان أو شعار أو قبيلة أو جنس أو عرق أو ناد رياضي أو حزب سياسي، تختلف حدّتها حسب مقدرة السلطات بمواجهاتها ومكافحتها من مكان إلى آخر، فهناك حكومات تحاول تقليل تلك الممارسات، قد تنجح أو تفشل، ونرى حكومات أوروبية تحاول مكافحة التعصب والعنصرية بتشريعات وتوعية ثقافية وإعلامية، وهناك حكومات أوروبية أخرى يسيطر عليها اليمين المتطرّف، فلا يوجد مجهود كاف لمواجهة تلك الممارسات والشعارات العنصرية. أما في بلادنا، فكيف يمكن أن تكافح حكومات عربية التطرّف والتعصب وخطاب الكراهية إذا كانت تشجع هذا كله ضد معارضي سياساتها أو ضد المختلفين في الرأي؟