العزلة اللبنانية والمبالغة السعودية

العزلة اللبنانية والمبالغة السعودية

31 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

لم يكن ينقص الوضع اللبناني غير ملامح المقاطعة الخليجية الكاملة التي بدأت تظهر الآن، ليكتمل مشهد الانهيار الكلي للبلد، وانسداد كل آفاق الحلول التي كان من المفترض أن تسعى إليها ما تسمّى "حكومة الإنقاذ"، والتي أصبحت جزءاً أساسياً من الأزمة، فقضية تصريحات وزير الإعلام جورج قرداحي بخصوص السعودية والإمارات وحرب اليمن ليست سوى "السبب المباشر" للحملة السعودية على لبنان. إذ بات معلوماً أن الرياض نفضت يدها من الملف اللبناني كلياً منذ اتضاح السيطرة الكاملة لحزب الله على مقاليد الحكم في البلاد. وبالتالي، فإنها ليست في وارد تقديم أي مساعدة للبنان للخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يمر بها. حتى أنها تجاهلت "عبارات الغزل" التي أطلقها رئيس الحكومة اللبناني، نجيب ميقاتي، ولم تُعره أي اهتمام، غير أنها كانت مدركةً أنه سيطرق الباب مرّة تلو الأخرى، وخصوصاً أن الباب الخليجي عموماً، والسعودي خصوصاً، كان الأسهل سابقاً بالنسبة للحكومات اللبنانية، إذ كانت المساعدات تأتي من دون شروط مسبقة، على عكس ما هو عليه الحال اليوم في مفاوضات لبنان مع المانحين الدوليين، والذين يملون شروطاً قد تكون طبيعيةً، إلا أنها مستحيلة التنفيذ في ظل التقسيمة اللبنانية.

غير أن السعودية اليوم تغيّرت، وتحديداً في تعاطيها مع لبنان، بعدما فشلت كل المحاولات السابقة لتحجيم حزب الله، بل أتت بمفعول عكسي. وهي وجدت في تصريحات قرداحي فرصةً لقطع الطريق على أي محاولةٍ من الحكومة اللبنانية لطلب المساعدة. ويمكن القول إن ردة الفعل السعودية على تصريحات قرداحي مبالغٌ فيه، بالنظر إلى سوابق لبنانية كثيرة في العلاقة مع الرياض. فما قاله الوزير، وعلى الرغم من أنه نابع عن جهل كامل بالوضع اليمني وكيفية اندلاع الحرب هناك، وتحديداً لقوله إن "الحوثيين يدافعون عن أنفسهم"، لا يستدعي سحب السفراء وطردهم، خصوصاً أن التصعيد ضد السعودية من الداخل اللبناني ليس جديداً، ولا سيما في ما يخصّ اليمن وغيره، فالأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، لم يوفر مناسبة لمهاجمة السعودية بعباراتٍ تتجاوز ما أورده قرداحي، والحزب ضالع بشكل مباشر في حرب اليمن، عبر تدريب مقاتلين حوثيين وإرسال خبراء إلى اليمن للمشاركة في القتال. وإذا كان نصر الله لا يمثل مباشرة الدولة اللبنانية، على الرغم من أنه بات في حكم "مرشد الجمهورية"، فإنه سبق لوزير الخارجية اللبناني السابقن شربل وهبة، أن اتهم دول الخليج، في حوار تلفزيوني، بتمويل تنظيم داعش وإرسال مقاتلين إلى سورية والعراق، كما أظهر عنصريته عندما هاجم الضيف السعودي في البرنامج الذي ظهر فيه باعتباره "من أهل البدو". على الرغم من ذلك، لم تصل ردة الفعل السعودية والخليجية إلى هذا المستوى من التصعيد.

من الواضح أن هذا التصعيد يحمل رسائل سياسية واقتصادية إلى الحكومة اللبنانية، أهمها إغلاق الباب كلياً أمام المساعدات التي قد تكون دول الخليج مصدراً لها، فلا أمل لبنانياً اليوم في الحصول على قروض أو منح تساعده في تخطّي أزمته الاقتصادية غير المسبوقة. كذلك، تريد الرياض إيصال رسالة عدم رضى عن شكل الحكومة وتشكيلتها، بعدما ظهرت طبيعة "وزراء التكنوقراط"، وطريقة التوزير التي استبعدت السعودية والمقرّبون منها من المشهد.

ومن الممكن إضافة نقطة أخيرة، قد تكون في الحسابات السعودية، والتي قد ترى في الأزمة الاقتصادية اللبنانية فرصةً لإضعاف حزب الله، على طريقة تعاطي دونالد ترامب مع إيران، غير أن ترامب لم يعد موجوداً في البيت الأبيض، وإيران لم تعد تحت الضغط نفسه. وبالتالي، هذه الحسابات خاطئة أيضاً، في حال كانت موجودة، وستأتي مجدّداً بنتائج عكسية، ويخرج حزب الله رابحاً وحيداً.