العام الجديد: لا للتوقعات

العام الجديد: لا للتوقعات

01 يناير 2022
+ الخط -

يريد الناس الاعتقاد أن العام الجديد سيكون مختلفاً عن غيره. يريدونه أكثر إيجابيةً وحيوية، وأقلّ سلبية وضرراً. من حقّ الناس التفكير بغدٍ أفضل، إلا أن ربطه بلحظةٍ زمنيةٍ وضعها البشر لتقسيم حراك كوكب الأرض ونشاطه، والاستناد إلى محورية الشمس في هذا السياق، يجعل البشر أسرى الحدود التي رسموها. العام الميلادي، المهيمن على الكرة الأرضية، ليس الوحيد الذي ينظّم الأيام والأسابيع والأشهر، فهناك روزنامات عديدة أخرى، مثل الهجرية والعبرية والصينية والفيتنامية والإيرانية وغيرها. ما قد يكون يوماً فاصلاً بين عامٍ وآخر في الزمن الميلادي هو "يوم آخر" في روزنامة أخرى. لا يتعلّق الأمر بزرع الإحباط أو اليأس، بقدر ما يعني أن الأساس الواقعي لأي تغيير يريده الناس غير مرتبط بأيام محددة أو زمن محدد.

ينطبق الأمر نفسه على دعاة التنبؤ وعلم الفلك والأبراج وغيره من صائدي البشر في لحظة ضعفهم، لإقناعهم بأن أوضاعهم الاقتصادية الناجمة عن نظام ظالم يحكمهم إنما هي في الواقع لأن "كوكب جوبيتير ارتطم بنيزك آتٍ من خلف التاريخ، فتغيّر مجرى حياتك أنت بالذات، ولم تعد قادراً على إعالة نفسك وعائلتك"، ثم يبشّرك هؤلاء بأن "جوبيتير نابض بالحياة وسينعكس ذلك على نفسيتك وقدرتك على العمل". حتى الآن، لا تفهم ما هو تأثير الكواكب على شخص أو مجتمع ما بحدّ ذاته. تفهم أن القمر والشمس والأشعة الكونية مؤثرة على المياه والهواء والغلاف الجوي لكوكب الأرض. لكن ما لا يُمكن فهمه هو كيف لكوكب جوبيتير، الذي تعادل كتلته 1300 نسخة من كوكب الأرض، أن يكون مؤثراً عليك أنت بالذات، وعلى ديونك لبائع الخضار مثلاً؟

ثم، هناك من يتحدّث عن رؤيته "غيوماً سوداء" و"هالات" وسواها من تعابير، نسيها حتى مجتمع القرون الأوروبية الوسطى، بل يتمسّك بحرفيّة كلامه وما يدّعيه بتوقعات وتنبؤات. تُدرك أن التحالف بين هؤلاء الأشخاص والإعلام يهدف إلى إركاع أي عقل واعٍ لبشرية تتوق في أعماقها إلى الثورة من أجل البديهيات، المنطلقة من العدالة الاجتماعية. السلاح الأقوى لأي نظام هو العرّافون والمتنبئون والمتوقعون الذين يخيفون الناس بكلمات مرعبة، وكأن الناس لا تكفيهم مصائبهم وويلاتهم.

فكّر بها كالتالي: لماذا لم يُصدُق أي توقع لأي من هؤلاء المدّعين؟ ولماذا يتم التحايل على الكلام؟ ولماذا يرفض الإعلام بثّ الحلقة الكاملة لتوقعات سابقة؟ طبعاً لن يعطيك الإعلام الذي يستضيف أمثال هؤلاء أي نتيجة عملية، لأنه مستفيد من عاملين اثنين: المال والإعلان. أما الحديث عن الحقائق، فذلك شأن آخر. هذا النوع من البشر يحتاج إلى الإبعاد الفوري عن شاشات التلفزة ومختلف وسائل الإعلام، لأن المجتمع الذي يكثر العرّافون فيه سجين من دون قضبان، وأسير من دون قيود، وعبدٌ من دون سيّد.

عدا العرّافين، هناك من يتحدّث عن الأبراج. حسناً، إذا تماشينا مع من يعتقدون بصدقية هذا الأمر، عليهم الإدراك أن من يكون برجه الدلو مثلاً في تقسيمات الأبراج في الأعوام الميلادية، فإنه سيكون "ثعلباً" وفقاً لتقسيمات الأبراج الصينية، وقد يكون "عصفوراً" في الروزنامة الإيرانية. الآن، قد يقول مدّعو معرفة الأبراج أن برجك الميلادي يحمل لك سنة موفورة بالفرح والصحة والمال، لكن برجك الصيني يُحذّرك من الخروج من بيتك "لأن هناك من ينوي الغدر بك". إذاً، ما الذي ستفعله؟ هل ستخرج أم لا؟

لا يُمكن إطلاقاً أن تصل البشرية إلى هذا المستوى من التطوّر، من إعلان النيات باستيطان الكواكب إلى توسيع أفق العوالم الافتراضية للإنترنت والمعرفة، وتنتظر ماذا يخبئ لها القدر، على لسان أحد العرّافين والمتنبئين، الذي لو كان فعلاً هكذا، لكان من السهل عليه الفوز بأي مسابقة تتضمّن جوائز مالية كبرى. أما نحن، فعلينا التحرّر من هذا كله، وإلا سنبقى سجناء الوهم لا أحراراً بالعقل.