الزعامة والديمقراطية والحركات الإسلامية... الغنوشي مثالاً

21 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

التقى نحو مائة من قياديي حركة النهضة (التونسية) رئيسها ورئيس مجلس النواب، راشد الغنوشي، لحثه على عدم الترشح لرئاسة الحركة بانعقاد مؤتمرها الحادي عشر مجدّدا. ويبدو أن اللقاء كان متوترا، ولم يفض إلى أي حلول، بل زاد في تأجيج الخلافات بين إخوة التنظيم والمحنة، والسلطة أيضا. ربما كان ذلك بعض ما دفعهم إلى صياغة "عريضة المائة"، وهي رسالة مطولة موجهة إلى الغنوشي، سرعان ما تسربت عمدا إلى الإعلام، دعوه فيها إلى ضرورة الالتزام بالفصل 31 من النظام الداخلي لحركة النهضة، وعدم الترشح لولاية ثالثة. وقد رد عليها الغنوشي برسالةٍ لم تخلُ من حدّة، انتهت إلى الإعلام أيضا.
بدأت، قبل أشهر، خلافات "النهضة" تصل بتفاصيلها إلى الرأي العام التونسي، ولم يعد في وسع الوعاء الفولاذي الذي احتواها عقودا طويلة، بمبرّرات الطاعة والولاء، ومقتضيات العمل السري، وتربص الأعداء، .. إلخ، أن يمنع تسرّب تلك السيول الفائضة عنه. والخلاف الحادث مرشّح للتفاقم، استنادا إلى ما عبّر عنه عديدون من أبناء الحركة، الأمر الذي يلقي ظلالا، لا على وحدة الحركة وتماسكها فحسب، بل أيضا على الاستقرار السياسي للبلاد. وقد علمت التجارب القريبة التونسيين أن النزاعات داخل الحزب الحاكم تنعكس بشكل كارثي على استقرار الحكومة، ومؤسسات الحكم عموما، مثلما حدث مع حزب نداء تونس خلال المدة النيابية الفارطة. وأيا كانت المآلات المقبلة، فإن الأمر على غاية الأهمية، وذلك ما يدفع إلى فهم تشكل مقولة الزعامة وإنتاجها في سياق تونسي، يخص حركة النهضة تحديدا.

علمت التجارب التونسيين أن النزاعات داخل الحزب الحاكم تنعكس بشكل كارثي على استقرار الحكومة، مثلما حدث مع حزب نداء تونس

منذ ظهور الحركات الإسلامية، بدءا من مرحلتها الإحيائية المبكرة (الوهابية، السنوسية..) وحتى "الجهادية" المتطرّفة والعنيفة أخيرا، ظلت الزعامة تبرُز بشكل تدريجي بطيء ومرتبك، والواضح أنها فكرة حديثة، لم تشر إليها كتب التراجم أو الطبقات أو السير قديما، وذلك على خلاف مفاهيم الإمامة والإمارة.. إلخ. ولا تسعفنا المباحث اللغوية لأصل الكلمة وما تفرع عنها من اشتقاقاتٍ ومجازات، على الرغم من ورود اللفظ في القرآن الكريم، ما يفيد مدلولا دقيقا، يحيلُ، بشكل صريح، إلى ما يدل عليه اللفظ المتداول حاليا في علاقة مباشرة بالحقل السياسي. 
فكرة الزعامة حديثة برزت في سياقات متأخرة، وهي ترجمة غير دقيقة لجملة من المصطلحات والمفاهيم التي تشير إلى قدرات وكفاءات وخصال استثنائية ومتفرّدة، يتميز بها شخص ما، وذلك ما يؤهله لأن يعتلي مقاما مرموقا ومكانة مخصوصة، تخوّل له توجيه الآخرين وصنع القرارات نيابة عنهم، أتباعا كانوا أو مؤيدين. وقد يشمل ذلك فئاتٍ واسعة من "المواطنين". والغريب أن استقرار مفهوم الزعيم داخل الحقل السياسي العربي، وتحوله سريعا إلى حاضنة له، لم يخلُ من تلبسّه لبوسا غير ديمقراطي، خصوصا في العهد الأول من اكتشاف الزعامات أو صنعها في عالمنا العربي، أي زعامات حركات التحرّر وبناء الدولة الوطنية. كانت معارك التحرّر الوطني هي الاختبارات المبكرة الأولى "لاكتشاف" هذه الزعامات وإنتاجها، بل إن عديدين منها ماتوا، ليتم اكتشاف زعامتهم وإنتاجها لاحقا في شكل من التدارك والاعتراف المتأخر الذي لا يخلو من بناء شرعيات وسرديات مستجدّة. وهذا لا يبخس هؤلاء مكانتهم أو فرادتهم الاستثنائية. ولكن ثمّة حركة "تزعيم" لا تخلو من استراتيجياتٍ معقدة. ويحري منذ عقود تنشيط حركة إنتاج الزعامات في سياقات معقدة، لنكتشف زعامات مختلفة متعدّدة، قادمة من مشارب وتجارب مختلفة: الحبيب بورقببة، جمال عبد الناصر، أحمد بن بلة، صدام حسين، معمر القذافي.. إلخ، وما زالت هذه الحركة مستمرةً في سياق أنماط جديدة لإنتاج الزعامات (الشعبوية مثلا).

الغريب أن استقرار مفهوم الزعيم داخل الحقل السياسي العربي، وتحوله سريعا إلى حاضنة له، لم يخلُ من تلبسّه لبوسا غير ديمقراطي

ما الذي يجمع كل هؤلاء الزعماء، ويجعل منهم "صناعة وطنية أصيلة": النضال والكفاح ضد قوى استعمارية، قدرات فائقة على تعبئة الرأي العام، وما يقتضيه من تواصلٍ لا يخلو من شعبوية وديماغوجية. لا يخلو ذلك من ممارساتٍ كانت على حساب العقلانية السياسية وحقوق المواطنة والمشاركة السياسية، إذ لا ينمو الزعيم وهو محاط بمنافسين، فباستثناء أعداد قليلة، التهم هؤلاء رفاقهم وأصحابهم. انتهت حياة بعضهم بانقلابات واغتيالات، ونجا آخرون بأعجوبة ليتم "تخليد ذكراهم شهداء زعماء إلى الأبد". لدى نفر قليل من المريدين على الأقل.
حين نشأت الحركات الإسلامية في هذه المناخات، لم تكن قادرة على النجاة بنفسها من فكرة الزعامة ومدلولاتها الحقيقية أو المتخيلة، ضخّت الثورة الإيرانية في موج الزعامة، ليعلو هادرا وأعطت مشروعية إضافية إلى مزيد من الزعامات في الحقل الديني السياسي الملتبس. ربما كانت مقولات الأمير، الإمام، الشيخ، العالم، المنقذ، على الرغم من أن الفروق الفكرية بين كل هذه التسميات، واختلاف آليات إنتاجها، قد أعطت مشروعية لرواج فكرة الزعامة بهذا المعنى. وقد وقعت حركة الاتجاه الإسلامي (النهضة) في تونس تحت جاذبية فكرة الزعيم، وقد احتفت، في أحد أعداد مجلتها، المعرفة، بـ"الزعيم آية الله الخميني"، باعتباره قائدا عظيما ومجدّدا ومنقذا .. إلخ. ومع ذلك، لا نجد مطلقا، في أدبياتها التأسيسية، شيئا من هذا القبيل، كانت تخص به راشد الغنوشي، باعتباره أحد كبار مؤسسيها، وأميرها بالمعنى التنظيمي والخلقي، وحتى السياسي. وفي هذه الحركة بالذات، تمثل حالة راشد الغنوشي مخبرا لمعرفة آليات إنتاج الزعامة التي هي في الأصل جهد فردي وجماعي تاريخي، إذ لا يولد الزعماء زعماء، إنما ينتجون في سياقات تاريخية ملتبسة، ومهما كانت خصالهم وقدراتهم وجدارتهم الحقيقية، أو المتوهمة، فإنهم لا يحققون حولهم إجماعا، مهما كانت عبقريتهم وكفاءتهم وجدارتهم.
على خلاف بعض التصورات، تفجرت الخلافات مبكرا داخل حركة النهضة، الإسلامية، لا على خلفية التوجهات الفكرية والخيارات السياسية فحسب، بل على خلفية مسألة القيادة، إذ شهدت تصدّعا آخر السبعينيات، وتتالت الانسحابات من بعض مؤسسيها، وممن تولى قيادتها، غير أن الحركة استطاعت أن تتجاوز هذه الأزمات الحادة. وقد يعود الأمر إلى عوامل عدة: التنشئة الأخلاقية، الملاحقات الأمنية ..إلخ، غير أن محنة المهجر أضعفت مكانة الغنوشي بين رفاقه، حتى جاءت الثورة لتعيد دعم "مكانته"، وتنقذه من وضعٍ حرج، في ظل دعوات إلى التقييم والمحاسبة. كانت الحركة، قبيل الثورة، على أهبة التصدّع، بحكم الفشل الذريع الذي انتهت إليه تجربة الصدام مع النظام، كما يرى خصوم الغنوشي. أنقذت الثورة الحركة، والغنوشي تحديدا، ومنحت بعضهم فرصة غير مسبوقة لاستئناف الاشتغال على إنتاج زعامته. 
كان الغنوشي يعتقد أن التاريخ ثأر له وأمدّه برصيد إضافي، لا لحكم البلاد أو المشاركة فيه، بل لإثبات مكانته، وحيازة صلاحيات أكبر، غير أن جملة من الوقائع خالفت هذه الطموحات، فقد نشطت عوامل عديدة في نهش بذور الزعامة وتهرئتها: صعوبات الحكم والأخطاء المرتكبة، شراسة الخصوم والمناوئين له الذين لم يستثنوا منهجا أو طريقة للإساءة إليه، ونزع هالة الزعامة عنه، خصوصا وقد تزامن ذلك مع اندلاع صراعات حادّة، كشفها المؤتمر العاشر للحركة. ولم تنفع قبلات الاختتام وصور العناق الملتبس في تبديد الخلافات التي تجرأت على منافسته على منصب الرئاسة.

تفجرت الخلافات مبكرا داخل حركة النهضة  لا على التوجهات الفكرية والخيارات السياسية فحسب، بل على خلفية مسألة القيادة

لم يوصَف راشد الغنوشي بالزعيم إلا في السنوات القليلة الماضية، فقد وُصف، أكثر من أربعة عقود، بالشيخ والداعية والأستاذ والمفكر الإسلامي والقيادي البارز. ولم نقف على هذه المفردة في أدبيات الحركة حتى حدود الانتخابات النيابية في تونس في 2014. وربما كان بعض أتباع الحركة الإسلامية وأنصارها هم أول من وصفوه بذلك، في لحظة انكسار نسبي، عرفت إعادة تمجيد "الزعيم الحبيب بورقيبة"، وفي سياقات كان رموز "النهضة" وقياداتها يدافعون عن الرجل، ويردّون عنه الشبهات والتهم التي تحرص على النيْل منه وتبخيسه. إنها استراتيجية دفاعية في المقام الأول، موجهة إلى خصوم الداخل والخارج. سيتم إعادة اكتشاف خصال الرجل وحكمته ورصانته وعمق تفكيره، وتحيين ذلك كله (تجنيب تونس خطر الحرب الأهلية ...)، من أجل البدء في إنتاج فكرة الزعيم ومنحها للرجل. وقد غدت العبارة: الزعيم راشد الغنوشي كثيفة التداول، بدءا من سنة 2015 في منابر إعلامية. إنه زعيم تونسي، بل وعربي، جدير بكل ثناء وتقدير. لا يعنينا إثبات زعامة الشيخ راشد الغنوشي أو نفيها، بقدر حرصنا على تتبع مسارات تشكل فكرة الزعامة في حركة النهضة، وقدرتها على التوافق مع الديمقراطية والحوكمة.
في سياق ديمقراطي تخلص من العمل السرّي، وذاقت فيه الأحزاب السياسية طعم السلطة مرّها وحلوها، وسمح بصعود "الأستاذ والشيخ راشد الغنوشي" إلى البرلمان، فإنه فقد عدة "مواد للزعامة"، وأصبح "مسؤولا سياسيا". إنه رئيس مجلس النواب، المجلس المعروض بازارا سياسيا عنيفا، يستهلك فيه التونسيون "الفاست فود السياسي" على قاعدة نهش ونهم يومي، لا تصمد فيه الزعامات طويلا.
والأرجح أن الديمقراطية لا تتسع لفكرة الزعامة أصلا، وهي التي تحثّ على المشاركة السياسية والمساواة والتنافس والاختيار الحر للمسؤولين والقادة، حتى داخل الأحزاب ذاتها. في الديمقرطيات العريقة، ثمّة قادة كبار. ولكن لا ندري إن كانت الديمقراطيات الناشئة قادرةً على الاحتفاظ بالزعيم ضمن ثقافتها، من دون أن تنهك الديمقراطية ذاتها وتتلف أهم ما فيها: الاختيار الحر.