التوجهات الدولية بشأن الانتخابات الليبية

التوجهات الدولية بشأن الانتخابات الليبية

15 نوفمبر 2021
الصورة

رؤساء وفود الدول المشاركة في مؤتمر باريس بشأن ليبيا (12/11/2021/فرانس برس)

+ الخط -

مع اقتراب الانتخابات الليبية، تبدو العملية السياسية على أعتاب مرحلةٍ جديدة، فعلى الرغم من وجود خلافاتٍ بشأن النظام الانتخابي، بدت الساحة الدولية أكثر اقتراباً وتلاقياً على المضي في استحقاقات المرحلة التمهيدية، تجنباً لتدهور أشدّ في ليبيا، ومن ثم، تبدو أهمية تناول مدى اتساق السياسات الدولية واختلافها تجاه الانتخابات ونتائجها، وذلك باعتبار أن الضمانات الدولية المدخل الواسع لوضع ملامح السياسة في ليبيا. 

مبادرة الاستقرار والانتخابات
بعد مرور ليبيا بحالة من الحرب الأهلية، شهد عام 2020 بدايات مرحلة جديدة من الحل السياسي، تبلورت مع وقف إطلاق النار ومؤتمر برلين الثاني، بحيث أفضت إلى مرحلة تمهيدية، بهدف الوصول إلى الوضع الدائم، عبر تشكيل حكومة الوحدة الوطنية. وقد جاءت مبادرة استقرار ليبيا، 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، ضمن سياق بلورة الحل السياسي على قاعدة  التصدّي لقضايا بناء الدولة ومعالحة التحديات الأمنية والاقتصادية. وبجانب الاعتبار بسيادة القانون، تطلعت المبادرة إلى تنفيذ قرارات مجلس الأمن، وخصوصاً 1570 و1571، والترتيب لملء الفراغ الأمني والعسكري بعد انسحاب المكونات الأجنبية. وبشكل عام، ركّزت مبادرة استقرار ليبيا على مسارين، يتعلق الأول بمعالجة المسار الأمني - العسكري، حيث الافتقار لقطاع يحفظ السيادة الوطنية. وهنا، تميل المبادرة للحصول على دعم شركاء ليبيا في تنفيذ البرامج العسكرية، وخصوصاً ما يتعلق بضمان وقف إطلاق النار، وبناء الجيش، وتسريح المسلحين ودمجهم، وكانت أكثر وضوحاً في ربط تسوية ملف السلاح الأجنبي، بكل مكوناته، بالاستقرار الإقليمي، وليس مشكلةً ليبية فقط. 
وعلى المستوى الاقتصادي، قامت المبادرة على أولوية توحيد السلطة النقدية والسعي إلى رفع التجميد عن الأرصدة الليبية لاستخدامها في مشروعات إعادة الإعمار وإدارتها لتحقيق أفضل عوائد ممكنة، وذلك حسب المادة 10 من القرار 1971 التي تضمن تسليم الأموال للحكومة الليبية، غير أن هذا الأمر يتوقف على خروج ليبيا من ولاية الفصل السابع. وهناك مشكلة أخرى، تتعلق باسترداد الأموال المنهوبة والسيطرة على الاستثمارات الخارجية.

على إثر مقترحات التأجيل، تصاعد الحديث عن مخاطر تأجيل الانتخابات وانعكاسه على استقرار ليبيا

وقد ربطت المبادرة إجراء الانتخابات بتقييمٍ يصدر عن لجنةٍ دولية، يتم تشكيلها، يحدّد مدى توفر شروط إجراء الانتخابات ومتطلباته، ومع ضيق الفترة، بدا واضحاً أن وزارة الخارجية ورئاسة الحكومة يميلون لتأجيل الانتخابات. وقد شكل هذا التوجه أرضية لتعزيز الدعوة الفرنسية إلى اجتماع باريس. وبجانب تقارب المحتوى مع  المبادرات السابقة،  ظهرت رغبةٌ في إطالة الفترة المؤقتة، بحيث يمكن القول إن جزءاً من مشكلة ليبيا ارتبط بتطلع المسؤولين في الحكومات المؤقتة للبقاء أطول فترة ممكنة، سواء حسب تمديد الوضع القائم أو ضمان الفوز في الانتخابات وتعطيلها حلاً بديلاً. وتظل هذه المعضلة تُشكّل قاسماً مشتركاً للسياسة في ليبيا على مدى السنوات العشر الماضية. ويمكن تفسير الجدل حول إمضاء الانتخابات أو تأجيلها متوافقاً مع المسارات السابقة، حيث تنخفض الجرأة لدى قطاع من السياسيين من الاحتكام للإرادة الشعبية تحت حجج مختلفة؛ نقص الإطار الدستوري والتوافق التام بين المتنافسين. ولذلك، تعديل قوانين الانتخابات لفتح فرص الترشح أمام كل الليبيين وتقليل قيود الترشيح، يمكن أن يُشكّل حلاً وسطاً لامتصاص الرغبة في البقاء في السلطة.
وقد شجّعت تلك التوجهات ظهور أفكار تأجيل الانتخابات في صورة مقترحاتٍ من أعضاء في المجلس الرئاسي، تم توضيحها لاحقاً كصيغة أفكار غير ملزمة، وسادت اتجاهاتٌ بأن تردّد المفوضية الوطنية في وضع جدول الانتخابات وعدم حسم الخلاف حول قوانين الانتخابات، سوف تتزايد مطالب التأجيل في أي ملتقى دولي، أو تصاعد عديد المطالبين به.
وعلى إثر مقترحات التأجيل، تصاعد الحديث عن مخاطر تأجيل الانتخابات وانعكاسه على استقرار ليبيا، ليس فيما يتعلق باندلاع خلافاتٍ على موعد آخر، لكنه يفتح الصراع حول حِزَم من المشكلات المتروكة كالاستفتاء على الدستور وضبط تصرّفات المسلحين وتأثيرهم على النفقات العامة، وبالإضافة إلى مشكلات قوانين الانتخابات، ما يُرشّح للدخول في أزمةٍ مفتوحة، حيث يفتقر الليبيون للتوافق على إجراء الانتخابات، وفق القوانين والظروف القائمة.

دخول الحكومة الليبية في مؤتمراتٍ دوليةٍ يخلّ بالفقرة رقم 1 من بيان مؤتمر الاستقرار، والتي تضمنت تقوية الحكومة ممثلا لسيادة ليبيا

السياقات الدولية والانتخابات
تشكل البلدان المنخرطة في السياسة الليبية على مدى السنوات الماضية الرصيد الأساسي لأصدقاء مبادرة الاستقرار، غير أن ما يمكن الإشارة إليه يتمثّل في وجود الحكومة الليبية طرفاً في التناول الدولي للمشكلات والحاجات السياسية والاقتصادية، ما يفتح الباب أمام إمكانية إعادة النظر في نقل بعض مظاهر السيادة للسلطة المؤقتة. وفيما يبدو سياقاً معاكساً لمؤتمر استقرار ليبيا، بدأت فرنسا في الترتيب لمؤتمر باريس بدعوة الحكومة الليبية في أثناء إعلان مبادرة استقرار ليبيا، وذلك لحضور مؤتمر باريس حول ليبيا (جرى في 12 نوفمبر الجاري)، تُعد هذه المحاولة الثالثة لدخول فرنسا دولياً على الأزمة في ليبيا، حيث تمكّنت في السابق من تصدير خليفة حفتر سياسياً، فيما تبدو، هذه المرّة، مُتطلعة إلى تحقيق هدفين؛ استعادة نفوذها المُتراجع بعد الصعودين، الألماني والتركي. ويمكن قراءة مؤتمر باريس إطاراً لترتيب التوافق الدولي حول السيطرة على السلاح على اختلاف مع الرغبة الفرنسية في إثارة الجدل عن جدوى انعقاد الانتخابات.
ولعل عدم اعتبار مؤتمر استقرار ليبيا، الأخير في المؤتمرات الدولية، سوف يظل يفتح الباب أمام التدخل الخارجي، إذ فتح المجال لمناقشة اختلاف المصالح الدولية بدل تجاوز هذه الحقبة، حيث إن دخول الحكومة الليبية في مؤتمراتٍ دوليةٍ يخلّ بالفقرة رقم 1 من بيان مؤتمر الاستقرار، والتي تضمنت تقوية الحكومة ممثلا لسيادة ليبيا. ومن هذه الزاوية، تقوم فكرة مؤتمر باريس على إبقاء البلاد تحت المشاورات الدولية، وليس تطوير خروجها من الفصل السابع والوصاية الدولية.

خريطة التنافسية الدولية
واجهت التطلعات الفرنسية بيئةً غير مواتية، فمن جهة، ظلت الولايات المتحدة، كما في بيان المبعوث الأميركي الخاص، تدعم المسار الانتخابي والتشاور بين المؤسسات الليبية، للوصول إلى الحكومة الشرعية المرتكزة على الانتخابات، وسحب حق الاعتراض من أي طرفٍ على القوانين الانتخابية، ما يمكن اعتباره تقييداً لسلطة رئيس البرلمان، عقيلة صالح، في التمسّك بالصيغة الحالية. كما بدت تصريحات المبعوث الأميركي، 21 أكتوبر، قلقة تجاه انعقاد الانتخابات في موعدها، حيث اعتبرها ما زالت ممكنة، وأشار إلى وجود شكوك لدى الليبيين بأن يزيد إجراء الانتخابات الوضع سوءا، لكنه، في الوقت ذاته، دعا إلى البحث عن الإجماع لإجراء الانتخابات في موعدها.

ركزت إيطاليا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة اهتمامها على تكوين موقف مشترك من وجود منافسين على الأراضي الليبية

ومن جهة ثانية، لم تتطوّر المشاورات الأوروبية لتكوين سياسة دفاعية مشتركة للتعامل مع انعكاسات الوضع في ليبيا، والتغير في السياسة الأميركية نحو الشرق الأوسط وشرقي آسيا، غير أن الأوروبيين، إيطاليا وألمانيا وفرنسا، سرعان ما وجدوا أنفسهم في حاجة للولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وحسب بيان مشترك، صدر في 24 الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول)، ركزت الدول الخمس اهتمامها على تكوين موقف مشترك من وجود منافسين على الأراضي الليبية، ومخاطر اتساع دور المقاتلين الأجانب والقوات الأجنبية، كما عملت على تثبيت مرجعية قانونية تمكنت من تحديد التصرّفات غير القانونية بوصفها رقابة على تصرّفات الآخرين.
وهنا، يمكن النظر إلى البيانات المشتركة كصيغة أقرب إلى توصيات لتسيير اللجنة العسكرية (5 + 5) لتكون أداة تنفيذ القرارات الدولية في مواجهة روسيا وتركيا، وسحب كل أشكال السلاح غير المشروعة، كما تناولت بيانات هذه المجموعة نزع سلاح الجماعات المسلحة وتسريحها وإصلاح قطاع الأمن ومكافحة الإرهاب. وحسب توضيح من البعثة الأممية، في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، باشرت اللجنة العسكرية مهمة تنفيذ قرار مجلس الأمن 1570، لتوطيد احترام السيادة الليبية، وبدأت في ترتيب سحب المسلحين في الجنوب مع دول؛ النيجر، تشاد والسودان، بتشكيل لجان مشتركة لنزع سلاح المعارضة وعودتهم. وبعد مؤتمر باريس تُخطّط لمشوار التفاوض مع تركيا وروسيا على سحب القوات الأجنبية، وفق جدول زمني يتم الاتفاق عليه معهما. 
في ظل هذه التطورات، يظهر الموقف الروسي ضعيفاً، فمشاركتها في إصدار القرار 2750 تُضعف حجتها في الدفاع عن وجود مسلحي فاغنر، باعتباره مصلحة للاستقرار. وحسب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، يعمل الوجود الروسي على الحفاظ على التوازن بين الحكومة والبرلمان، وهو ما يكشف عن جوانب من المعركة الروسية مع الغرب بشأن كبح النفوذ الروسي في شمال أفريقيا، ومنعه من  النفاذ إلى إقليم الساحل ووسط أفريقيا.

مع انخفاض هامش الاختلاف الدولي بشأن الانتخابات، يكمن التحدّي أمام الجماعة الدولية في إنهاء مرحلةٍ صار فيها تراخي الأمم المتحدة عبئاً على الليبيين

وفي السياق ذاته، يستند الموقف التركي ببقاء المدرّبين العسكريين على اتفاقية التدريب العسكري مع حكومة الوفاق السابقة. وكما قبلت تركيا بوضع قواتها تحت إشراف الأمم المتحدة، 1 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، فقد أوضحت أن وجود العسكريين هولاء لأغراض التدريب والاستشارات لا يُعطل الحوار السياسي مع البلدان الأخرى، وهو ضمن السيادة الليبية. على أية حال، بدت تركيا أكثر إدراكاً لمخاطر الربط ما بين الانتخابات في ليبيا والمشكلات الأخرى في البحر المتوسط، باعتباره يضفي أعباء متزايدة على الأزمة الليبية ويتركها من دون حل، كما حدث في المشكلة الأفغانية، وظلت مصدراً للهجرة غير المشروعة عقدين. وفي هذا السياق، اعتبرت تركيا أن عقد مؤتمر دولي مشابه لبرلين خطوة غير صائبة، ربما لما تمثله من قيودٍ على نتائج الانتخابات.
ومع انخفاض هامش الاختلاف الدولي بشأن الانتخابات، يكمن التحدّي أمام الجماعة الدولية في إنهاء مرحلةٍ صار فيها تراخي الأمم المتحدة عبئاً على الليبيين، ظهرت ملامحه في التلاعب بالسيادة الوطنية. ويمكن إدراك دور المفوضية، المواد  39 – 42 من الميثاق، جهة لها حق ممارسة السيادة، غير أن تقديمها بعثة دعم فنيٍ لا يقوم على تفسير تدخلها الانتقائي في بعض المراحل لإقرار وضع سيادي، كان آخره تشكيل لجنة الحوار السياسي (75 عضواً) ومنحها سلطة سيادية، فيما امتنعت عن القيام بوظائفها تجاه اختراقاتٍ جسيمةٍ للمراحل الانتقالية، ومن ثم، قد يوفر إنجاز الانتخابات أرضية ملائمة لإنهاء حالة الوصاية الانتقائية أو تخفيفها.
وبشكل عام، لم ينضج تجانس النظرة الدولية إلى أن الانتخابات الليبية كحل سياسي، غير أن السياقات الحالية تُشير إلى أنها صارت أكثر اقتراباً من انعقاد الانتخابات صيغة لمرحلة أخرى من تكوين السلطة في ليبيا. ولكي تكتمل شرعية الحكومة الجديدة، تبدو الجماعة الدولية أمام مسارين: يتعلق الأول بمعالجة نقص الأطر القانونية المُنظمة لسلطات الدولة، بتقليل الخلاف حول قوانين الانتخابات ومُزامنة الانتخابات الرئاسية والتشريعية، لتكوين نظام حكم تتوازن فيه السلطات، بحيث لا ينفرد الرئيس بالتصرّف في كل موارد الدولة والأرصدة الخارجية، من دون مراقبة دستورية كاملة. أما المسار الثاني، حيث يتحدّد بالمهمة الأساسية للانتخابات المتمثلة في إزاحة الفصل السابع واسترداد السيادة من ولاية الأمم المتحدة بإنهاء عمل البعثة الأممية التي جسّدت مرحلة من التلاعب بمصالح المجتمع، وبحيث لا تكون المؤتمرات الدولية وسيلة لإثارة المشكلات.