الإمارات تسبح ضد التيار

الإمارات تسبح ضد التيار

15 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

على عكس دولة الإمارات وصنّاع السياسة فيها، المحتفلين بافتتاح سفارة للكيان الصهيوني في بلدهم، لا ترى الكاتبة والأديبة الإيرلندية، سالي روني، مكاناً لإسرائيل العنصرية في العالم الجميل الذي تبحث عنه في روايتها التي تصدّرت قائمة أكثر الكتب مبيعاً على موقع "أمازون". وبينما يتطلّع وزير خارجية الإمارات إلى زيارة إسرائيل، رفضت روني عرضاً لترجمة روايتها "أيها العالم الجميل، أين أنت" من دار نشر إسرائيلية "لا تنأى بنفسها علانية عن الفصل العنصري، ولا تدعم حقوق الشعب الفلسطيني التي نصّت عليها الأمم المتحدة"، بتعبير روني.

في زمن تراجع الخجل العربي، تُسجّل للروائية الأيرلندية مواقفها الشجاعة الداعية إلى "إنهاء الدعم الذي تقدّمه القوى العالمية لإسرائيل وجيشها، خصوصا الولايات المتحدة"، ومطالبتها الحكومات بـ"قطع العلاقات التجارية والاقتصادية والثقافية" مع إسرائيل. تتزامن مواقف روني الأخلاقية مع موقف 600 موسيقي عالمي، وقّعوا رسالة مفتوحة طالبوا فيها زملاءهم الفنانين بمقاطعة العروض في إسرائيل حتى تكون هناك "فلسطين حرّة". وقالوا، في رسالة حملت عنوان "موسيقيون من أجل فلسطين": "بصفتنا موسيقيين، لا يمكننا أن نصمت. اليوم، من الضروري أن نقف مع فلسطين. وندعو زملاءنا إلى التأكيد علانية على تضامنهم مع الشعب الفلسطيني. فالتواطؤ مع جرائم الحرب الإسرائيلية يتحقّق بمجرّد الصمت، واليوم الصمت ليس خيارا. ندعوكم إلى الانضمام إلينا باسمكم في رفض أداء الأعمال الفنية في المؤسسات الثقافية الإسرائيلية المتواطئة، والوقوف بحزم في دعمكم الشعب الفلسطيني وحقه الإنساني في السيادة والحرية".

وبينما لا يجرؤ ساسة الإمارات على تذكير كبار زوّارهم من الإسرائيليين بالنكبة الفلسطينية ومخلفاتها، لا تتردّد ولاية كاليفورنيا الأميركية في اعتماد الرواية الفلسطينية عن "النكبة" كأحد متطلبات التخرج من الثانوية. يُقر حاكم الولاية غريفين نيوسوم القانون بكل شجاعة، ليصبح نافذاً اعتباراً من العام الدراسي المقبل، بعد تأييده من ممثلي التجمعات الحزبية للسود واللاتينيين والآسيويين وجزر المحيط الهادئ والأميركيين الأصليين في الولاية. لا يجرؤ ساسة عرب على ذكر النكبة الفلسطينية حتى بعد نشر معهد "عكفوت" (وتعني تقفي الأثر)، الإسرائيلي، آلاف الوثائق عن أحداث النكبة، تحتوي على تقارير تبيّن أن التنظيمات الإسرائيلية العسكرية التي احتلت المناطق المخصصة للفلسطينيين، حسب قرار التقسيم، نفذّت عمليات كثيرة تعتبر "جرائم حرب"، حسب القانون الدولي. ومن الأمثلة على هذه الوثائق تقارير تتعلق بمذبحة دير ياسين الشهيرة التي تم ارتكابها في 10 إبريل/ نيسان 1948، قبل شهر من قيام إسرائيل، التي أرادوا لها أن تكون نموذجاً يخيف العرب، ويدفعهم إلى الرحيل، فقد اقتحم القرية نحو 130 عنصراً من تنظيم "إيتسل" انضم إليهم لاحقاً عدد من عناصر التنظيمات الصهيونية الأخرى، وراحوا يقتلون كل فلسطيني يجدونه في الشارع.

يسبح بعض العرب ضد تيار التاريخ، متجاهلين التحولات الحاصلة في مواقف العالم الحرّ من آخر كيان احتلالي استعماري في العالم. لم يعد العالم الحرّ قادراً على تقبل رواية إسرائيل الزائفة، كما لم يعد بإمكان صنّاع الدعاية السوداء المضي أبعد في تبرير عدوانية إسرائيل التي تجاوزت كل القيم الإنسانية. كبر في أوروبا والولايات المتحدة جيل شاب أقلّ تأثراً بالخطاب الديني، وأكثر ميلاً إلى العلمانية الليبرالية مقارنة بأجداده. جيل الألفية الجديدة أكثر تحرّراً من الابتزاز بـ"عقدة الذنب" أو "عقدة الهولوكوست"، ولا يشعر بالمسؤولية المباشرة عن أحداثٍ لم يعاصرها، وغير مسؤول عنها. وفي المقابل، يبدو هذا الجيل أقرب إلى التفاعل مع الأحداث الراهنة التي يتابعها على الهواء مباشرة، ويرى فيها آلة الحرب الإسرائيلية المحرّمة دولياً، والمموّلة من ضرائبه، تُوغل في دم الأبرياء المدنيين في مواجهةٍ غير متكافئة. لقد حرّرت وسائط الإعلام الرقمي ومنصّات الإعلام الاجتماعي المتلقي الغربي، خصوصا الشباب، من هيمنة وسائل إعلام تقليدية، تديرها رؤوس الأموال الموالية لإسرائيل، دأبت على غسل أدمغة الرأي العام بـ"الرواية الإسرائيلية" وإهمال "الرواية الفلسطينية"، بكل ما فيها من تشريد واحتلال وظلم وضحايا.