الإسلاموفوبيا بضاعة يصنعها المسلمون أيضاً

19 أكتوبر 2020
الصورة

مسيرة احتجاجية في باريس ضد الإسلاموفوبيا (10/11/2019/الأناضول)

+ الخط -

تتكرّر منذ سنوات الاعتداءات الآثمة التي يرتكبها "مسلمون" على غيرهم ممن يختلفون معهم عقيدة أو فكرا، وذلك على خلفية مواقف وآراء ضمنها هؤلاء في أعمال فنية أو مقالات صحافية.. إلخ. يذهب ضحية هذه الاعتداءات إعلاميون وفنانون، وحتى أناس بسطاء لا علاقة لهم بمثل هذه الصراعات، مرّوا مصادفةً بشارع ما، أو تجولوا للتسوق أو كانوا في "مترو" أو حافلة للوصول إلى أعمالهم في انضباط شديد. وعلى الرغم من أنها مجتمعات قد غدت، منذ قرون، لا دينية، بحكم مسارات العلمنة المتفاوتة النسق والمحتوى، فإننا ما زلنا ننعتها بالمجتمعات المسيحية، بل يصفها بعض منا بالصليبية، ولا يتورع آخرون عن اتهامها بالكفر... من يرتكب هذه الجرائم الحمقاء يفعل ذلك تحت ذريعة نصرة الإسلام ونبيّه. لا أحد كلف هؤلاء بأن ينوب عن أمة الإسلام، ولا أن يكون ضميرها، ولكنهم وحدهم "يجتهدون" للتصدي لمهمةٍ يروْنها مقدسة، بل هي فرض عين..
أذكر أني كنت مرة ضيفا على أحد المعاهد المرموقة للعلوم الاجتماعية في أمستردام، لتناول قضايا المهاجرين وسياسات الإدماج، في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 2005. وقبيل افتتاح المؤتمر الذي كان من المفروض أن يجمع عشرات الباحثين المتعاطفين مع المهاجرين، والداعين إلى مزيد من إدماجهم وتمتيعهم بحقوقهم، خيم صمت غريب في بهو القاعة التي ستطلق بها أشغال المؤتمر، ولاحظ الجميع ارتباك المنظمين وعلامات الاستياء على وجوههم، وساد صمت مخيف.. لم ننتظر طويلا، حتى علمنا أن المخرج السينمائي، تيو فان غوغ، حفيد الرسام الشهير فان غوغ، قتل برصاصة غادرة، وهو على دراجته النارية، بالقرب من إحدى الحدائق العمومية الشهيرة في المدينة الخلابة. كان القاتل لم يتجاوز العقد الثالث، ولد في هولندا ولم يزر المغرب، بلده الأصلي، إلا في مناسبات نادرة. فعل ذلك نصرةً للإسلام حسب اعتقاده الساذج، ولأن المخرج عمد، حسب تصريحاته، إلى إهانة الإسلام، وهو الذي صور امرأة محجبة في مشاهد إباحية.. قتل الرجل، وكانت الواقعة صدمة لاذعة، اندلعت بعدها مباشرة عمليات حرق مساجد ونواد، كما سجلت اعتداءاتٌ على بعض أفراد الجاليات المسلمة هناك. وعلينا ألا ننسى أن تلك المناخات كانت تستلهم مشاعرها من بقايا أحداث "11 سبتمبر" في الولايات المتحدة وغزو العراق وغيرهما.

باتت الإسلاموفوبيا تشمل فئات عديدة ليست بالضرورة محدودة التعليم والثقافة، وإنما أيضا أساتذة جامعة وسياسيين متنورين وفنانين

بعد خمس عشرة سنة، ها هو الإرهاب الأعمى يذبح المعلم الفرنسي الذي كان يدرب طلبته على حرية التعبير.. ربما كان الدرس مربكا وصادما لأبناء في الجاليات المسلمة، خصوصا أن الضحية استعمل الكاريكاتور مثالا تطبيقيا في منهجه التعليمي، ويقال إنه ترك للطلبة المسلمين حرية حضور الدرس من عدمه. ولكن تلك المشاعر ليست طبيعة أو غريزة، إنما هي أيضا إنتاج لثقافة ما وتنشئة تجعل الدفاع عن الإسلام بذلك الشكل العنيف واجبا غريزيا. كان علينا نحن، من خلال التنشئة العائلية، أن نربّي أبناءنا على ترويض المشاعر، وتعلم أدب المناظرة ومقارعة الحجّة بالحجة، واستبعاد العنف باعتباره منزلةً غير إنسانية، فضلا عن أنه جريمة بالغة الخطورة، تعتدي على قداسة الحرية... تلعب خطب الجمعة في المساجد هناك دورا بارزا في تعليم أبناء تلك الجاليات هذه القيم. في تاريخنا الإسلامي، نقف على صفحات من تلك الحرية، ولكننا نقف أيضا على صفحاتٍ كثيرة ما زالت ترعب قارئها لفظاعة ما ارتكب باسم نصرة الدين.

الإرهاب الأعمى يذبح المعلم الفرنسي الذي كان يدرب طلبته على حرية التعبير ..

كانت بعض تيارات الاستشراق قد بادرت، منذ قرون، إلى عرض تلك الأطروحات والمواقف (مسألة العنف والغزو، الرسول والنساء، الوحي...)، وكانت قد تصدّت لها النخب الفكرية آنذاك، وبادرت بالرد عنها بالحجّة، حتى شكلت تلك الردود واحدا من أغراض كتابات المسلمين وأدبياتهم خلال أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. الأمر حاليا مختلف تماما، إذ يبدو أن صعود الإسلام الحركي، خصوصا في "نسخته الجهادية" وانتشاره في أحياء الفقر الذي ينهش الجاليات المسلمة قد جيّش تلك المشاعر، بعد أن أصبح الإسلام قلعةً هووية، يلوذ إليها المهمشون هناك. هذه المرّة، يعاد هذا السيناريو في فرنسا تحديدا، ولكن في سياقات مختلفة، صاغتها مواقف الرئيس ماكرون المتوترة والسطحية، بعد تصريحاتٍ أدلى بها، آخرها الأسبوع الفارط، حين اعتبر أن الإسلام يعيش أزمة، وأنه مصدر الإرهاب، كان ذلك بعد حديثه عمن اعتبرهم انفصاليين. كان عليه أن يعترف بإخفاق التجربة الفرنسية وفشلها الذريع في دمج تلك الجاليات، ولكنه اختار أيسر الطرق، وهي اتهام تلك الجاليات بالانفصالية.

ما علينا فعله أمام ما يبدو لبعضنا ازدراءً للإسلام هو استئناف الرد الهادئ على أطروحات "الاستشراق اليومي الجديد"

في تلك المجتمعات التي غدت فيها حرية التعبير مقدّسا، لن يكفّ الناس عن نقد الإسلام والمسلمين حقا أو باطلا، وهذا جزء من ثقافتهم وقوانينهم وحقوقهم التي نشأوا عليها، وهي من لبنات عقيدتهم اليومية التي سيدافعون عليها ويموتون من أجلها، وعلينا أن نرى ذلك حقيقة وجوهرا لحياتهم التي ترسخت منذ قرون في ضمير تلك المجتمعات.
ما علينا فعله أمام ما يبدو لبعضنا ازدراءً للإسلام هو استئناف الرد الهادئ على أطروحات "الاستشراق اليومي الجديد" الذي يعبر عن نفسه، هذه المرّة، في أعمال فنية وأدبية (كاريكاتور، شعارات، أغان، معارض موضة ..)، وتصريحات سياسية. وأيضا تربية الناشئة على النقد، وعلى اعتبار تلك المسائل حرية مقدّسة، حتى ولو كان فيها ضيم.. ازدراء الأديان والإسلام تحديداً فعل مشين، ولكن ذلك لا يجيز أبداً التوسل بالعنف، فما بالك والأعمال التي ترتكب باسمه إرهاب أعمى شنيع.
كيف يمكن فهم نمو الإسلاموفوبيا وانتشارها وتوسعها، لتشمل فئات عديدة ليست بالضرورة محدودة التعليم والثقافة، على غرار أساتذة الجامعة والسياسيين المتنورين والفنانين، ما جعل دوائر الغربيين المساندين للقضايا العربية والإسلامية تتقلص تدريجيا، مقارنةً مع فترة الستينات مثلاً... لا نجد حالياً من يجرؤ ويمتلك الشجاعة للدفاع عن القضايا العربية، فضلاً عن قضايا المسلمين قاطبة، إلا مجموعات محدودة من اليساريين الفوضويين الذين لا وزن لهم. هذا التراجع في مساندة قضايانا العادلة هي نتيجة الإسلاموفوبيا التي نساهم في إنتاجها، بما ارتكبت أيادي بعض منا أيضاً.