إلى ربّات البيوت

إلى ربّات البيوت

23 يونيو 2021
الصورة

(لؤي كيالي)

+ الخط -

مرّت قبل أيام، ذكرى وفاة صفية المهندس، وكانت صوتا نسائيا إذاعيا شجيا، وهو صوتٌ لافت، قليلا ما يتكرّر بالنسبة لي، على الأقل، ذلك الصوت الذي يُشعرك أنه يعيش معك داخل البيت، ويتحدّث بلسان ربّاته، وكان يطل في فترة الضحى من الإذاعة الرسمية المصرية، وفيما كانت أمي، رحمها الله، تتنقل من مكان إلى مكان في البيت لكي تنهي أشغاله الكثيرة، قبل أن تذهب إلى عملها، حيث كانت تحرص على أن تعمل معلمة في الفترة المسائية، لكي تنهي أعمالها المنزلية من دون أن تحتاج مساعدة أحد. حتى عندما كبرنا وأصبحنا في سن المراهقة، وتجاوزنا سن الطفولة التي تحتاج الرعاية، ولكنها كانت تصرّ على أن نعود من مدارسنا، لكي نجد كل شيء جاهزا ومعدّا من طعام وملابس نظيفة وبيت مرتّب.

وكانت أمي تصرّ على أن يتنقل معها جهاز المذياع الصغير، لكي تتابع برنامجها المحبّب "إلى ربّات البيوت". وعلى الرغم من أنها تعد امرأة عاملة، إلا أنها كانت تنسى ذلك، أو تتناسى، أو لا تعترف بذلك، وتحب دورها الأكبر، وهو أنها ربّة بيت، تجد سعادتها في راحة عائلتها من الصغير إلى الكبير، ولكنها لم تكن تعلم أنها تفعل ذلك على حساب صحتها التي تهالكت مبكرا.

فضّلت أمي مسمّى ربة بيت على مسمّى امرأة عاملة، في حين أن هناك من يتحسّر أو يشعر بالأسى، أو يستخفّ بدور زوجته، حين يشتكي من أنها لا تزيد عن "ربّة بيت". وهناك من يرى ربّة البيت أقل أهميةً من المرأة العاملة، فيما أن المرأة العربية غالبا ما تقوم بدورين لا يمكن الفصل بينهما، وهما العمل خارج البيت وداخله، وقلة من النساء العربيات ممن يستطعن استقدام عاملات منزليات لمساعدتهن في أثناء غيابهن في أوقات الدوام الرسمي ورعاية أطفالهن، ولكن الغالبية منهن يصارعن الحياة اليومية الشاقة بين هذين الدورين، فقد أشارت دراسات كثيرة إلى أن المرأة، خصوصا، تعاني من آلام أسفل الظهر بسبب قيامها بدورها ربّة بيت. فهذا الدور الذي يستهين به بعضهم هو العمل غير مدفوع الأجر للمرأة، بدءاً من قيامها بالحمل والولادة والرضاعة والسهر على تربية الأطفال ورعايتهم، ودورها المنزلي المعتاد والمرهق، المسبب لها آلاما، قد يطلق عليها بأنها جندرية حقاً، فالدراسات تفيد بأن الأعمال المنزلية تسبب أمراضا كثيرة للنساء، بدءا من الانزلاقات العنقية والظهرية، بسبب التعب والإرهاق وضعف العضلات، وسوء التغذية، وكذلك زيادة مؤشّر كتلة الجسم، فالنساء بسبب ما يتعرّضن له من توتر في البيت، يتعرّضن لبطء في عملية حرق الدهون، ما يؤدّي إلى تكدّسها في أجسامهن، وتعرّضهن لزيادة الوزن التي تؤثر على صحتهن لاحقا، مسببة أمراضا مزمنة، مثل ارتفاع ضغط الدم والسكر.

تعاني ربّات البيوت أيضا من ارتفاع نسبة إصابتهن بالسرطان، بسبب تعرّضهن اليومي لمواد التنظيف الكيميائية، سواء عن طريق ملامستها أو استنشاقها. وقد وجدت معدلات عالية للإصابة بسرطان الرئة، بسبب هذا الضرر اليومي المتراكم لدى النساء، فهنّ لا يتوقفن عن تنظيف بيوتهن، ويحرصن على ذلك، مهما تقدم بهنّ العمر، وكأن هذا العمل فريضة يومية مثل الصلاة.

أما الخطر الأكبر الذي تواجهه ربّة البيت، مغبونة الحقوق التي يناط بها هذا العمل التراكمي المرهق، فهو تعرّضها للاكتئاب، بسبب عنايتها بأسرتها وعدم وجود مساحة للعناية بنفسها، أو الالتحاق بناد رياضي. مثلا، أفاد مسح وطني تدرّجي أجرته وزارة الصحة الأردنية بأن 21% من النساء قد ظهرت عليهن بوادر الاكتئاب التي تشمل فقدان الشهية وبطء التفكير والمشاعر السلبية وفقدان الثقة بالنفس، وأن هذه العلامات أوجبت على هؤلاء النساء مراجعة عيادات العظام خصوصا، حيث ترتبط حالات الألم أسفل الظهر بالقلق والتوتر النفسي. وفي النهاية، هناك من يستخفّ بوصف "ربّة بيت"، وهناك من كان ولا زال يستمتع بصوت صفية المهندس، أم الإذاعيين، وهي تعلن عن انطلاق برنامج "إلى ربّات البيوت" منذ أربعينات القرن الماضي.