إسبانيا والمغرب .. الخطر الداهم من الجنوب

27 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

يحكي عبد الواحد المراكشي، في كتابه "المعجب في تلخيص أخبار المغرب"، قصة طريفة عن أحد ملوك الطوائف. مما جاء فيها أن الملك المعتضد (والد المعتمد بن عباد)، وهو يستطلع أخبار العَدْوة/ المغرب، كان يسأل: هل نزل البربر رحبة مراكش، وذلك لما كان يراه في ملحمةٍ كانت عنده أن هؤلاء القوم خالعوه أو خالعوا ولده ومُخرجوه من مُلْكه؟ وبالفعل، هذا ما صار من خلع المرابطين جميع ملوك الطوائف، ليستمرّ الحكم العربي قرونا عديدة في الأندلس. التوجُّس من الأخطار القادمة، من جنوب ضفة المتوسط، لم يكن أمرا طارئا اليوم. ملوك إسبانيا المسيحيون، أو ملوك الطوائف المسلمون، ظلوا ينفزعون لكل "حركةٍ" تحدث في مراكش، أو الرباط، أو فاس. وبإعادة العبارة في صيغة مُركزة: الخطر يأتي، دوما، من الجنوب.
هل تغيّرت المُعادلة اليوم؟ لا أتصور أن شيئا قد حصل، وإن تبدّلت أسباب الخطر ومظاهره. ذلك أن الأخطار القادمة من جنوب المتوسط، كما يُعدِّدها الإسبان والأوروبيون معهم، في الوقت الحالي، صارت: تجارة المخدّرات، قوارب الهجرة السرية والتطرّف العنيف. هكذا، بدا الإسبان ينظرون إلى مشكلاتهم مع الجنوب، الذي يؤول إلى المغرب في نهاية المطاف. منذ عبر طارق بن زياد إلى الضفة الشمالية، لم يكفّ الإسبان عن تقدير حجم الخطر الداهم من جنوب المتوسط. وحتى بعد سقوط غرناطة، واتِّجاه الإسبان والبرتغاليين إلى احتلال معظم المدن الساحلية المغربية، لم تتغير "المعادلة" في العقل والمخيال الجمعييْن لساكني الضفة الشمالية.
لقد أدّى المغرب تكلفةً باهظة، حين استجاب لاستغاثات ملوك الطوائف، من دم أبنائه وسيادة بلاده. وما بقاء مدينتي سبتة ومليلية بأيدي الإسبان إلا جزءٌ من مُؤخَّر تلك التكلفة. في التكتيكات العسكرية، التجأ الإسبان إلى تطبيق قاعدة: أحسن خُطةٍ للدفاع هي الهجوم. وهكذا، ستتالى الهجومات الإسبانية الحديثة، لتحتلّ شمال المغرب وجنوبَه. وإن انجلى الاحتلال الإسباني عن الجهتين، ظل الضيف الإسباني الثقيل يُقيم بين المغاربة، ولا يفكّر في الجلاء عن: سبتة ومليلية والجزر الجعفرية. قليلا ما نسمع عن احتلال المدينتين، إلا في ما ندر، على ألسنة العرب وغير العرب. حقيقة، كانت الإشارة إلى الاحتلال ترد في بيانات القمم العربية، ولكن من دون أن يكون لذلك صدى قويّ، أو مفعول ملموس.

اختلاف المغرب عن إسبانيا، في ما يخص استعجال الموقف من تحرير الثغرين الساحليين، هو انهماكه بتدبير  ملف أقاليمه الجنوبية

منذ زمن، اختار المغرب الجبهة الدبلوماسية "الهادئة"، من أجل تحرير المدينتين، أسوةً بمفاوضات الصين وبريطانيا حول هونغ كونغ، أو مفاوضات إسبانيا نفسِها وبريطانيا حول جبل طارق. الحالة الوحيدة التي شذّت عن تلك الدبلوماسية الهادئة، والتي كان لها ما يبرّرها واقعيا، ما قام به المغاربة من نزول إلى جزيرة ليلى. ولولا تدخُّل الولايات المتحدة الأميركية، إلى جانب فرنسا التي اقتربت من الموقف المغربي، لوقعت حرب بين المملكتين. من يفكّر في الحرب اليوم؟ لا أحد من الضفتين، في ظل المصالح الاقتصادية الهائلة المشتركة بين المغرب وإسبانيا. في تصوّر بعضهم، المغاربة ينتظرون جلاء البريطانيين عن صخرة طارق، ليزيدوا موقفهم قوةً إزاء ضرورة جلاء إسبانيا عن سبتة ومليلية. 
لمن يعتبر بالتاريخ والجغرافيا، هناك أكثر من نقطة تشابه بين الاحتلالين: الإسباني في سبتة ومليلية، والبريطاني في جبل طارق. غير أن اختلاف المغرب عن إسبانيا، في ما يخص استعجال الموقف من تحرير الثغرين الساحليين، هو انهماكه بتدبير (معالجة) ملف أقاليمه الجنوبية. هل كان الملف الأخير يأخذ الأولوية، لدى صانع القرار السياسي المغربي، من ملف سبتة ومليلية؟ للإجابة عن السؤال، بناء على هذه المقاربة، ينبغي النظر إلى معطيين على الأقلّ: الجيو- سياسي، الناشئ عن استقلال الجزائر، وانشغال حكام "الثورة" فيها بمناوأة النظام المغربي، وتطلعهم إلى مُحاصرته في عمقه الأفريقي. ولولا سرعة التدخل المغربي، في خضمّ مرض حاكم إسبانيا الجنرال فرانكو، عبر تسيير "مسيرة شعبية" إلى الأقاليم الجنوبية، لأخذ الملف وجهةً أخرى، كان يمكن أن يبدو فيها المغرب الخاسر الأكبر. ولا ينبغي نسيان أن للمغرب "مطالب" في صحرائه الشرقية، والتي ترتفع على ألسنة سياسيين ومسؤولين، وتثير حساسيات وتخوفات إقليمية، بين الفينة والأخرى. 
إلى ذلك، تجب الإشارة إلى أن من تبعات الصراع، في ظل النفس الثوري السائذ، آنئذ، الذي كانت تغذّيه الحرب الباردة، حدوث ما باتت تعرف بـ"حرب الرمال". هذا الصراع المرير، الذي ظل يأخذ أبعادا جيو - سياسية، هو الذي دفع ساكن قصر المرادية (في الجزائر) إلى الاصطفاف مع الموقف الإسباني، عند اشتعال جبهة جزيرة ليلى بين المغرب وإسبانيا (سنة 2002). والسؤال، في ظل ذلك الموقف الجزائري الغريب: لماذا كان ذلك الاصطفاف الشاذ، من دون بقية الدول العربية والإسلامية والأفريقية؟ في تصريح لوزارة الخارجية الجزائرية، ورد "احتلال المغرب الجزيرة يعتبر أكبر دليل على أطماعه التوسعية في الصحراء".

أقسى شيء صار يتوقعه المغرب أن يجد نفسه مُحاصرا في الشمال من إسبانيا، وفي الشرق من الجزائر، وفي الجنوب من اصطناع "دولة صحراوية"

قُرِئَ الاصطفاف الجزائري، في حينه، أنه موقف براغماتي (بخلفية سجالية). ولعل ما يؤكد هذا المنحى أن التصريحات الجزائرية كثيرا ما دعت المغرب إلى تحرير سبتة ومليلية، بدل اللجوء إلى سياسة التوسُّع في الصحراء. الخلاف بين طبيعة النظامين المغاربيين، إضافة إلى إحن (خطايا) تاريخية غير بعيدة، كان يرفد التنافس على زعامة شمال أفريقيا بقدر كبير من المناوءة في المبادرات الدبلوماسية، والعنف في الخطاب الإعلامي. أقسى شيء صار يتوقعه المغرب أن يجد نفسه مُحاصرا في الشمال من إسبانيا، وفي الشرق من الجزائر، وفي الجنوب من اصطناع "دولة صحراوية". ولذلك، كان قرار الخارجية المغربية، في عهد الملك محمد السادس، العودة إلى الاتحاد الأفريقي، لشغل "المقعد الفارغ" في جميع المؤسسات والأجهزة. بالموازاة مع ذلك، كان هناك توسُّع في دول أفريقيا، على صعيد الاستثمار في قطاع المال والأعمال.
يبدو المغرب، نظام حكم وقوى مدنية، غير مستعدٍ لفقدان "خاصرته" الجنوبية بأي ثمن. وإذ يسعى إلى عدم إثارة مشكلاتٍ مع دول الجوار، على أساس التفرّغ لحسم قضية الأقاليم الجنوبية، يدرك الجاران الآخران أهمية "تعليق الحسم"، على أمل بقاء المغرب "عالقا" في رمال الصحراء الساخنة. غير أن تواطؤ الجزائر على فتح خط بحري مع مليلية المحتلة، من شأن ذلك أن يزيد في تغيير الخريطة الجيوسياسية للمنطقة. ولا أتصوّر أن للدول الثلاث قِبَل بآثاره، على استقرار المنطقة بكاملها، اللهم إلا أن يكون ذلك حاصلا في إطار نوع من الضغط السياسي.
- المعطى الاقتصادي: أدرك صانع القرار السياسي الجديد في المغرب أن الدبلوماسية، بدون إسناد اقتصادي مؤثر، لا تعود بالمردودية الإيجابية، على مستوى ما غدا يُعرف، مغربيا، بـ "مسلسل استكمال الوحدة الترابية". وإذ ظلت العلاقة التجارية مع الجار الشرقي محدودة، بفعل الإغلاق المستمرّ للحدود البرية، فإن العلاقة الأخرى مع الجار الشمالي بلغت ذروتها، إلى حد إزاحة فرنسا عن تربّع قمة المبادلات التجارية مع المغرب. ولعل هذا ما جعل النبرة الدبلوماسية المغربية "خافتة"، باستثناء حالات الإقدام على زياراتٍ رسميةٍ إلى المدينتين المحتلتين، من العاهل الإسباني مثلا.

ليس من شأن العلاقات المغربية - الإسبانية أن تتدهور أكثر، حتى ولو تأجلت زيارة بيدرو سانشيز إلى الرباط

في ظل هذه النبرة الخافتة التي كان يُقابل بها المغرب إسبانيا، في ما يخص استعادة ثغريْه السليبين، ما يدعو بعض الجيران إلى الاستغراب من الموقفين: من الأقاليم الجنوبية من جهة، ومن سبتة ومليلية من جهة أخرى. وفوق ذلك، كثيرا ما كان اشتعال "رمال الصحراء" سببا في اشتعال مياه المتوسط بالمِثل. ولنا في اتصال الخارجية الإسبانية بفريق الرئيس بايدن، في شأن الإعلان الرئاسي لـ 10 ديسمبر/ كانون الأول، المتمثل في الاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء، ما يفسّر التوجس الإسباني من "حلحلة" ملف الأقاليم الجنوبية، بعيدا عن نظر حكومة بيدرو سانشيز. هذا، كما أن في تصريح رئيس الحكومة المغربية، سعد الدين العثماني، عن حتمية فتح ملفّ المدينتين، ما يُفسِّر الرد الدبلوماسي المغربي في المقابل.
يمكن القول إن متانة العلاقات الاقتصادية التي تؤطّرها الشراكة الأوروبية الواسعة، من بين أسباب التفاهم "المحسوب" بين المملكتين، لولا بروز "مطبات" التي يُحدثها اليمين واليسار الراديكاليان، هنا أو هناك، على حد سواء. ويمكن الاستدلال على ذلك بإعلان سلطات مليلية، على لسان رئيس مينائها، فيكتور جاميرو، عن مشروع فتح خط بحري مع الجزائر، لكسر ما يُسمونه حصار المغرب الاقتصادي للمدينة السليبة. ومع ذلك، فإن العلاقات المغربية - الإسبانية تظل مُحتفظة بقدر من "الستاتيكو"، الذي كلما تمّت محاولة خرقه من أحد الطرفين، إلا تمّت المبادرة بالعودة إليه بشكل تلقائي. مثالا، تراجع العاهل الإسباني عن زيارة المدينتين، خلال السنة المنصرمة، تجنبا لإغضاب سلطات الرباط التي أضحت تربطها بمدريد علاقة دافئة. 
غير أن إعلان ترامب الرئاسي عن مغربية الصحراء، قبل أيام من مُغادرة كرسي الرئاسة الأميركية، كان بمثابة الزلزال الذي هزّ صرح ذلك الستاتيكو. ومع ذلك، فليس من شأن العلاقات المغربية - الإسبانية أن تتدهور أكثر، حتى ولو تأجلت زيارة بيدرو سانشيز إلى الرباط، بحكم الشراكة بين المملكتين في أكثر من ملفّ (الهجرة والأمن خصوصا). كما أن ليس من شأن التّوجُّسات الإسبانية، المُتّصلة بالقوة التسليحية المتزايدة للمغرب، والتي لا يفتأ اليمين يُحذّر من أن تؤدي إلى اختلال توازن القوة، فإنها لا تذهب بتلك العلاقة إلى حد الاصطدام.

ظل "الجنوب" مصدر تهديد للشمال في الاعتقاد الأوروبي السائد، غير أن هذا الجنوب، يا للمُفارقة، كان حاملا نذر التغيير بالنسبة للشمال

وبينما يتحدّث الطرفان لغة المصالح، في انتظار إنضاج الظروف لحل المسائل العالقة، لا يتحدّث الجاران المغاربيان إلا لغة الإغلاق: إغلاق بوابات الحدود، إغلاق باب الحوار، .. إلخ. والملاحظ أن نسبة التباعد في ازدياد، وبخاصة في ضوء إعلان ترامب الرئاسي. كما أن إعادة فتح مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط، خلال المقبل من الأيام، من المفترض أن يزيد من حدّة توجُّسات الجار الشرقي. ففي غياب أي حوار استراتيجي، تكون أسس التفاهم والشراكة والتعاون دعائمه، سيجعل البلدين المغاربييْن يهدران طاقاتهما المادية والمعنوية، بحثا عن تحالفات خارجية لإنهاك بعضهما بعضا. 
لقد ظل "الجنوب" مصدر تهديد للشمال في الاعتقاد الأوروبي السائد، غير أن هذا الجنوب، يا للمُفارقة، كان حاملا نذر التغيير، غير ما مرة، بالنسبة للشمال. أما في ما يخص المغرب، فالثابت أن معظم الأسر القوية التي تولت الحُكم قدمت من الجنوب (المرابطون، الموحدون، السعديون والعلويون). ولذلك، ليس مستبعدا أن يكون الانخراط الإقليمي والدولي، لتسوية قضية الأقاليم الجنوبية للمغرب، من مصادر رياح التغيير الديمقراطي التي ستهبُّ على معظم البلدان المغاربية. الاحتكام إلى قِيم المُواطنة، في ظل نظام مغاربي مُتعاون ومتكامل، يمكن أن يمثل الرد الإيجابي الأنسب على التنازع المنهك، على أكثر من صعيد دبلوماسي واقتصادي وثقافي.