الانتخابات العربية والشرعية الديمقراطية

الانتخابات العربية والشرعية الديمقراطية

20 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

شهدت دول عديدة، خلال السنة الجارية، إجراء انتخابات. وفي وطننا العربي، أنهت دول استحقاقاتها الانتخابية (حال سورية والجزائر)، بينما تستعدّ أخرى لإجراء هذه الاستحقاقات، قبل مُتمّ شهر ديسمبر/ كانون الأول المقبل (حال العراق والمغرب). يمكن اعتبار 2020- 2021 سنة انتخابات بامتياز. وقد تمثَّل أقوى حدث، على الصعيد العالمي، في الانتخابات الرئاسية، التي عرفتها الولايات المتحدة الأميركية، بالنظر إلى السجالات القوية التي واكبتها. وعلى الرغم من أن الانتخابات الأميركية في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي استقرّت لصالح المرشّح جو بايدن، إلا أن التشكيك الذي طاول نزاهتها، من ترامب ومعظم الجمهوريين، سيظل الحدث الأبرز في هذا الشأن. كما أن السجال الذي نشب قبل إجراء هذه الاستحقاقات، وحتى بعد صدور النتائج، أبى إلا أن يلقي بظلال من الشك على مدى شرعية الانتخابات، بوصفها آلية ديمقراطية لتمثيل الإرادة الشعبية، على جميع الدول.

هل يمكن القول إن "ديمقراطية الانتخابات" في مأزق اليوم؟ هل كفّت هذه الانتخابات، سواء أكانت تشريعية أم محلية أم مهنية، عن تمثيل ما تسمّى "الإرادة الشعبية"؟ مع تتالي الاستحقاقات الانتخابية، في أكثر من بلد، في الشرق كما في الغرب، أخذنا نسمع كثيرا من التصريحات المُشكِّكة في نُظُم الانتخابات، مثل ما جاء على لسان الرئيس السابق، باراك أوباما، حين نبّه إلى أن النظام الانتخابي الأميركي "لم يعد يعمل بشكل صحيح، ويجب إصلاحه". أكثر من ذلك، ونتيجة له، صرنا في "قلب" اعتماد نُظم جديدة بديلة للنظام الديمقراطي الذي يقوم على الأحزاب أساسا. مهما كانت جِدّة المساعي، الحاصلة في هذا الإطار، فإن العقل السياسي لم يستطع ابتداع أفضل مما هو موجود، في الأنظمة الانتخابية التقليدية القائمة.

وتنطوي هذه الملاحظة التي تعزو الأفضلية للأنظمة الانتخابية الغربية على حكم معياري. بدل "الأفضلية"، يمكن الحديث عن "سعة الانتشار"، بالنسبة للديمقراطيات الانتخابية، ما دامت المركزية الديمقراطية، في الحزب الشيوعي الصيني، مثلا، ظلّت مؤهلة لمنح بديل مُختلف، بخصوص تمثيل الإرادة الشعبية. وقد قال الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني، شي جين بينغ، في زيارته أوروبا، سنة 2014، إن نظام التعدّدية الحزبية لم يُكتَب له النجاح في الصين. بالنسبة لمن يميلون إلى التجربة الصينية، يبدو أن النمو الاقتصادي، في ظل الاستقرار الاجتماعي، أهمّ من حرية التعبير، هذه التي تتجسّد في المشاركة السياسية التعدّدية (الحزبية). وقد تابعنا نجاحات الصين، في السيطرة على فيروس كورونا، ومن ثم الحفاظ على نسب مرتفعة من نُموّ اقتصادها، ما أدى إلى إفراز ذلك السجال الإعلامي الساخن، عن تفاضلية هذا النظام السياسي على حساب ذاك (في أعقاب فشل السيطرة الأورو - أميركية على الوباء، وما أعقب ذلك من تدهور اقتصادي).

انتصار خيار الرئيس التونسي قيس سعيّد، بدعم من الجيش، يوضح مآل التعديلات الدستورية المفترضة

وغير بعيد عن البديل الشيوعي، في تمثيل الإرادة الشعبية، كان لدينا نظام العقيد معمر القذافي "الهجين"، الذي ظل يقوم على ما سمّيت اللجان الشعبية، إلى حين زواله. وفي السياق ذاته، يلاحظ أن وجود الأكاديمي، قيس سعيّد، على رأس الدولة التونسية بات الأقرب إلى نظام "اللجان الشعبية"، في إطار اعتزامه الأخذ بما يُعرف بالحكم المحلي، والمجالس الجهوية المُنتخَبة. من خلال قراءة مؤشّرات، يبدو أن سعيّد يسير باتجاه إحداث تعديل دستوري. الخروج من المنطقة الرمادية، في أمر طبيعة الدستور التونسي، المُوزَّعة بين النظامين، البرلماني والرئاسي، ستكون في مقدمة الأولويات الدستورية، انتصارا لـ"الرئاسي" على حساب "البرلماني". إلى حد الساعة، لم تتّضح معالم فلسفة سعيّد بهذا الشأن، باستثناء مؤشّرات يمكن استقاؤها من تصريحاته وتعليقاته، سواء التي أدلى بها خلال حملته الانتخابية إلى الرئاسة، أم خلال وجوده على رأس الدولة، إلى حين "انقلابه" على الدستور التونسي.

في سياق سيطرة سعيّد على الحكم في تونس، كما تجسّدت في الاستحواذ على السلطة التشريعية، والاستئثار بسلطات رئيس الحكومة، بالإضافة إلى هيمنته على السلطة القضائية، هناك سؤال قليلا ما يطرح: هل كان في وسع الرئيس تحقيق هيمنته المطلقة على الحكم، في ظل صراعاته المتكرّرة مع رئيسي البرلمان والحكومة، لولا مساندة الجيش، وباقي قُوى الأمن في البلاد؟ على الرغم من تلك الأزمة السياسية الحادّة التي شهدتها تونس أكثر من ستة أشهر، وفي ظل وضع اقتصادي - اجتماعي أكثر سوءا، فاقمه انتشار وباء كورونا، ليس هناك من "مخرج" ديمقراطي سوى ابتداع حلول سياسية، من داخل النسق السياسي - الدستوري التونسي. انتصار خيار الرئيس، بدعم من الجيش، يوضح مآل التعديلات الدستورية المفترضة استقبالا. كانت هناك إرادتان شعبيتان في الخلفية، إلا أن إحداهما انتصرت على الأخرى، ولكن من خارج الدستور نفسه، أو بالأحرى عبر "ليّ عنق" أحد بنوده (البند 80).

يعتبر الجيش أكبر لاعب على صعيد الصراع السياسي، في معظم البلدان العربية، بطريقة مباشرة خشنة، أو مُضمرة ناعمة. حصل ذلك في مصر وسورية، ويحصل في تونس اليوم. التعديلات الدستورية التي تحدث في الدقيقة التسعين، لتخويل الرئيس فرصا زائدة للترشّح، تتمّ تحت نظر الجيش ومباركته. أما تأهيل مرشحين رئاسيين، مُنافسين على مقاس أقلّ من الرئيس، فذلك أضحى من آليات التحكم في نتائج الانتخابات الرئاسية هو الآخر. أما بدلا من ذلك، أي في وجود منافسين أقوياء، فإن من الغالب أن يحصل اللجوء إلى "تحريك" الملفات القضائية، بغاية التشهير الإعلامي في مرحلة أولى، على أساس أن تعقبه عرقلة مسطرة الترشّح في مرحلة ثانية. ولاية عبد الفتاح السيسي على رأس مصر، منذ إطاحة الرئيس المنتخب، محمد مرسي، حُبلى بعدد من الخلاصات والاستنتاجات.

يعتبر الجيش أكبر لاعب على صعيد الصراع السياسي، في معظم البلدان العربية، بطريقة مباشرة خشنة، أو مُضمرة ناعمة

ومع ذلك، يبقى اللجوء إلى الإجراءات التقنية، في مسعى إلى التحكّم في نتائج الانتخابات، من الوسائل الأكثر نعومة. في المغرب، هناك جديد بات يُعرف بـ"القاسم الانتخابي". الانتخاب، هنا، وما يفرزه من نتائج، يحصل على قاعدة المُسجَّلين، وليس المُصوِّتين (المقترعين). وإن رفض هذا القاسم حزب العدالة والتنمية، الإسلامي، إلا أن أغلبية الأحزاب ارتضته فيصلا، حتى تلك التي رفضته علانية، على سبيل درء التناقض عن مواقفها المبدئية. هكذا، يكون الحزب الإسلامي قد بلغ الشوط الانتخابي مُنهكا، بعد ولايتين متتاليتين على رأس الحكومة المغربية. القاسم الانتخابي الذي سينال من بعض الرصيد الانتخابي المفترض، مُعزَّزا بضعف الحصيلة الحكومية، يحيلان "العدالة والتنمية" إلى "الهامش"، اللهم إلا إن كُتب له "تحالفٌ" ما، يُسعفه في تجنّب "ثلاجة" المعارضة. أتصور أن أقصى ما يطمح إليه حزب سعد الدين العثماني، في محطته الحالية، أن يظل مُشاركا في الحكومة المقبلة، التي ستفرزها انتخابات سبتمبر/ أيلول 2021.

ليس هناك ما ينال من الديمقراطية الانتخابية، باعتبارها آلية وفلسفة، أكثر من العزوف عن المشاركة في الاقتراع. ذلك أن تدنّي نسبة الاقتراع، الملحوظة في أكثر من بلد، وبالأخص في الديمقراطيات الغربية، غدا هاجسا مؤرقا للأنظمة الانتخابية. بخلاف الانتخابات الأميركية، التي عرفت إقبالا واسعا على الاقتراع، بتأثير من فترة رئاسة ترامب المُثيرة للجدل، لا تكاد الاستحقاقات الانتخابية الأخرى تعرف، في دول أخرى، اهتماما من المواطنين. ففي فرنسا التي تعدّ دولة ديمقراطية عريقة، جاءت نسبة الاقتراع، خلال الانتخابات الإقليمية أخيرا، أقل من 30%. العزوف عن الاقتراع، في دول أوروبا، مثلا، لم يعد يعبّر عن الرضى على جودة الحكم، في ظل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي صارت تغرق فيها دول "القارّة العجوز"، سنة بعد أخرى.

يبقى اللجوء إلى الإجراءات التقنية، في مسعى إلى التحكّم في نتائج الانتخابات، من الوسائل الأكثر نعومة

وإذا كان العزوف الانتخابي يطرح تحدّيات كبرى، بالنسبة للديمقراطيات العريقة، فإن الأمر لا يحوز كبير اهتمام من الدول العربية. العزوف عن الاقتراع في أوروبا، بالنسبة لدولنا العربية، أصبح مُبرِّرا لتسويغ الاستحقاقات الانتخابية، مهما انخفضت فيها نسبة التصويت. تصريح الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبّون، بهذا الصدد، ما يزال صداه يرن: "إن نسبة المشاركة في الانتخابات لا تهم، بقدر الشرعية الناتجة عن الصندوق، وما تفرزه من نواب برلمانيين يمثلون السلطة التشريعية". بقاء نسبة الاقتراع ضعيفة، عند حدود ال30%، لا يطرح مشكلا بالنسبة للرئيس. والأغرب أن التصريح المُعلن ينطوي على فصل "تعسفي" بين نسبة التصويت والشرعية الشعبية – الديمقراطية.

بشكل مبدئي عام، يمكن التوافق حول نسبة ما فوق الخمسين، باعتبارها العتبة المقبولة للحكم على شرعية أية انتخابات. وكان من الطبيعي أن يدفع هذا المبدأ مُحرِّر الشؤون الدبلوماسية، باتريك وينتور، مثلا، إلى القول إن نزول نسبة إقبال الإيرانيين إلى ما دون الخمسين في المائة، في الانتخابات الرئاسية أخيرا، يطرح سؤالا كبيرا بشأن شرعية النظام نفسه. هناك عدة أمور تنال من "طهرانية" الانتخابات، باعتبارها آلية ديمقراطية لتمثيل إرادة الناخبين: ضعف نسبة التصويت، التعديل الدستوري على المقاس، التأجيل لغايات انتخابية، استعمال المال، التحكم الرياضي/ الإلكتروني في الخريطة الانتخابية (توزيع الدوائر، عدد المناصب في كل دائرة ..)، إلخ.

قبل أن تُقفل السنة الجارية، هناك استحقاقات انتخابية مشرفة على الحدوث: في المغرب والعراق. غير أن السؤال عن جدوى الانتخابات، وفق ما يجري اعتماده من آليات، يحيل هذه الاستحقاقات إلى مجرّد تسويغات للوصول إلى السلطة. سيظلّ صدى تصريح الرئيس الجزائري يتردد بقوة، ما لم يحدث اختراق نوعي في طبيعة الُظُم الانتخابية الحالية. الأمر أكبر من الإطار العربي في هذا المضمار. ذلك أن السياق الذي تجري فيه الانتخابات الروسية، أو الذي تجري فيه نظيرتها التركية، من شأنهما أن يقدّما، أيضا، مثالين حيّين عن طبيعة الشرعية الانتخابية، حدودها ومآلاتها.