إسبانيات وإيرانيات من عصر واحد وعالَمين

إسبانيات وإيرانيات من عصر واحد وعالَمين

07 سبتمبر 2023

(بول غيراغوسيان)

+ الخط -

نساء العالم الأول من إسبانيا. في أواخر الشهر الماضي، كانت المباراة العالمية التاسعة لكرة القدم النسائية تجري في مدينة سيدني الأسترالية. فريق الكرويات الإسبانيات انتزع البطولة من إنكلترا في نهايتها. فكانت فرحة وطنية إسبانية وإحتفالات. ولكن حدث ما عكّر هذا المزاج: رئيس الاتحاد الإسباني لكرة القدم، السيد لويس روبيالز، يستقبل البطلات ويهنئهن، وإلى جانبه الأميرة صوفيا. ويكون من نصيب المهاجِمة جيني هرموزو أن تتلقّى صفعة قبْلة قسْرية: يمْسك روبيالز رأس جيني من الجهتين، يضغط عليه، يقرِّبها منه بحميميّة كأنها مألوفة، ويقبلها في فمها. وهذا كله مسجّل في شريط فيديو، كان لانتشاره فعل الفضيحة المدوّية على كل المستويات. لم يبقَ رئيس وزراء، وزراء ووزيرات بعينهم، الاتحادات الرياضية الاسبانية، الفدرالية منها والمناطقية، شخصيات عامة، صحافة رأي ... استنكروا وطالبوا روبيالز بالاستقالة. بل "الفيفا" نفسه، أعلن عن تعليق عضويته 90 يوماً، كما باشر إجراءات تأديبية بحقه. كذلك فعلت المحكمة الإدارية للرياضة الاسبانية، باجراءاتٍ مماثلة. فيما أعلنت بطلات الكرة الإسبانية عن رفضهن اللعب بأية مباراة قادمة يديرها الاتحاد الحالي، الذي يرأسه لويس روبيالز. وخرجت تظاهراتٌ في مدريد وغيرها من المدن، رافعة شعارات من نوع: "انتهى الموضوع!"، "هذه ليست قبلة، إنها اعتداء"، "جيني هرموزو... نحن معك".

فانطلقت الألسنة، وأخذت الرياضيات، في الكرة وفي غيرها، يسرُدن حكايات عن كواليسها، عن تحرّشات لفظية وجسدية كان روبيالز بطلها، والصمت والخوف من الفضيحة أو من الطرد ... ما أعاد الفضول إلى شريط فيديو آخر، يعبّر فيه روبيالز عن فرحته بالفوز النسائي الإسباني عبر الإمساك باعضائه التناسلية. ويرفض ربيالز الإستقالة من منصبه، كما يطالبه زملاؤه وخصومه على حدّ سواء. يعقد مؤتمراً صحافياً للدفاع عن نفسه، فيغرَق أكثر فأكثر في طبائعه الماتْشوية، فيتكبّر، ويهاجم النسوية، يصفها بـ"الكاذبة"، ويصرخ بوجه الجميع "لن أستقيل! لن أستقيل!" مرّات ومرّات. ومن الطرائف، أن تحتجّ والدته على تحويل ابنها إلى "ضحية"، وتقرّر أن تضرب عن الطعام حتى تتوقّف "الحملة ضده"...

في الوقت نفسه، العصر نفسه، نساء العالم الثاني، من إيران. يتهيّب الملالي الإيرانيون من الذكرى الأولى لانتفاضة شعبهم ضدهم، كان أشعلها مقتل الشابة مهسا أميني على يد "شرطة الأخلاق"، التي اعتقلتها بسبب حجابها "غير الصحيح". وكلنا تابع مجريات هذه الانتفاضة، ووحشية الملالي بالردّ عليها، بكل أشكال التنكيل: القتل بالرصاص الحي، الاعتقالات، الملاحقات، وحتى الإعدامات شنقاً لمن وقعت أيادي أمنه عليه، عشرات من الشباب، أعدِموا علناً بمحاكمات سريعة، ودُفنوا ومُنع أهلهم من أي تشييع أو حِداد علني أو تعزية.

تحوّل الانتصار الإسباني إلى لحظة تاريخية تخترق فيها الرياضيات الإسبانيات مجال الرياضة الذي كان حكراً على الرجال. ونحن هنا نتكلم عن "شرط" من شروط القوة. الآن في إيران، هذا الشرط ليس متوفّرا

الآن يتهيّبون... كل الدرس الذي تعلموه من انتفاضة شعبهم هو المزيد من القهر والقتل، وبالقانون ... بتهمتَي "الحرابة والإفساد في الأرض". الإجراءات التي اتّخذت لا تشي بغير خوفهم من هذه الذكرى. إجراءات بالجملة، تستدعي تخطيطاً وتنظيما: مثل استدعاء المخابرات للطلاب الذين شاركوا العام الماضي في الانتفاضة، ومعهم السجناء السياسيون السابقون، الذين اعتقلوا خلال الانتفاضة، والضغط على أهالي القتلى ضحايا رصاص الملالي وتعذيبهم وشنقهم، لكي يمتنعوا عن المشاركة في إحياء ذكرى أبنائهم، واعتقال عشرات من النساء المطالبات بحقوقهن، من بينهن كاتبات ومصورات وفنانات، اعتقال أفراد من الأقلية الدينية البهائية، نصب كاميرات مراقبة في الطرقات لملاحقة السافرات بداخل السيارات، إعطاء الأوامر للمصارف والمتاحف والقاعات الرياضية والتاكسيات بعدم التعامل مع السافرات، عودة مكثفة إلى الشوارع لدوريات "شرطة الأخلاق" التأديبية، بأمر من المرشد الأعلى علي خامنئي.

وفي هذه الأثناء، في الشهر الماضي (أغسطس/ آب)، أقرّ البرلمان الإيراني مشروع قانون رقم 85، عنوانه "مشروع قانون حول الحجاب والعفّة"، اتُفق على أن يخضع لـ"الإختبار" مدة غير محدّدة، قبل أن يحصل على الموافقة النهائية من البرلمان. وهو قانونٌ وصفه خبراء مستقلّون من الأمم المتحدة، بأنه "أبارتهايد قائم على النوع"، أي الجنس. خذْ مثلا مادّته الأولى، حيث يمنع على الرجال الدخول إلى مكان مخصَّص للنساء، منها النوادي وصالونات الحلاقة ومقطورات المترو والمتنزهات. في المقابل، تمنع النساء من ارتياد أماكن مخصّصة للرجال، مثل الملاعب الرياضية، ومنها كرة القدم... (قبل ذلك، كان مسموحاً، ولكن في مقاعد منفصلة، خاصة بالنساء). فيما المادّة الثانية تملي على المدرّسات والتلميذات ارتداء التشادور الأسود، في المدارس والجامعات. وتمنع أيضاً المدرّسات تطويل أظافرهن وتلوينها ووضع رموش اصطناعية.

يعلّق صحافي رياضي إسباني على حدث "القبْلة القسْرية" لربيالز: "لو لم تنلْ إسبانيا كأس العالم النسائية، لكانت حركة روبيالز مرّت مرور الكرام". يعني هذا الكلام أن النساء، مثل كل الفئات صاحبات حقّ، يحتجن إلى القوة. تحوّل الانتصار الرياضي في الكرة إلى لحظة تاريخية تخترق فيها الرياضيات الإسبانيات مجال الرياضة الذي كان حكراً على الرجال. ونحن هنا نتكلم عن "شرط" من شروط القوة. الآن في إيران، ظاهرياً على الأقل، ليس هذا الشرط متوفّرا، أو واعداً. قد تخترع الإيرانيات شروطا جديدة، تبتدعها من قلب النهر الدافق من المجتمع العميق، مثل بدعة الإسبان غداة وفاة الديكتاتور فرنشسكو فرانكو الذي حكم إسبانيا 36 سنة، بتحالف وطيد مع الكنيسة الكاثوليكية. فما أن رحلَ فرانكو، حتى أخذت إسبانيا تتقرّب من أوروبا، وتنفذ شروط الانضمام إليها، وأول هذه الشروط حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين. وفاجأت إسبانيا الجميع. بدت تلميذاً نجيباً، فاق التوقعات التي كانت تدّعي أن الخروج من الديكتاتورية وقيمها وأنماطها عملية بطيئة، تكاد تكون مستحيلة. واليوم، نالت البطولة في عالم الرياضيين، وفجّرت ملفاته بالتمييز ضد النساء، وكانت "القبلة القصرية"، شرارتها. إنه "ميتو" جديد. الأول ولد في هوليوود والآن يولد في الرياضة. "ميتو" إسباني تاريخي، سوف يكون له مترتّبات في عالم الرياضة، ويكتسح دولا أخرى. وسيكسر الصمت حول خباياه.

إيران تحكُمها الآن ديكتاتورية دينية أخرى، منذ 44 عاماً، وسبل الخلاص منها ليس بالمعجزة

أما إيران، فتحكُمها الآن ديكتاتورية دينية أخرى، منذ 44 عاماً، وسبل الخلاص منها ليست بالمعجزة. ففي حال انهار الملالي ونظامهم، ثمّة نهر هادر، مجتمع مجرِّب، مواطنون من الرجال والنساء، لن يقف بوجههم شيء في سبيل بلوغهم شطّه الآمن. ولكن من تكون أوروبا الأخرى التي ستشجع الإيرانيات والإيرانيين على خوض معركتهم؟

يعيدنا تلازم الحدثان، الإسباني والإيراني، إلى الحملة الشرسة التي يخوضها حكّام إيران وحلفاؤهم من الصين وروسيا، ضد "القيم الغربية المنْحطّة المخنّثة الشاذّة، القاتلة للعائلة والأبناء، العاملة على إفناء الجنس البشري بالحدّ من الولادات"... وأشياء أخرى من هذا القبيل. واضح أن الوقائع تناقض هذه الادّعاءات، فالغرب الأوروبي منحَ إسبانيا كل ما تحتاجه للتخلّص من قيم الديكتاتور، حتى للمحافظين فيها. ومعركة القيم كانت من صلب واقعة "القبلة القسرية"، وما خرج منها لا يقارَن بما يخرج من ملالي إيران، حيث القتل البواح هو قاعدة التعامل، حيث الإرغام بالقوة، والإعدام... بما يخلّ بكل العائلات، والأمومة والأبناء، وانحطاط أخلاقي لا يجاريه أي انحطاط آخر. "الغرب المنحلّ والشرق العفيف"... تدْحضُه لاعبات كرة قدم إسبانيا، وخلفهن شعبٌ وحكومةٌ يعملان على إحياء أوروبا، منبع الأنوار، في هذا الزمن السينيكي المضروب.