أُردُنان لا يلتقيان

أُردُنان لا يلتقيان

20 يونيو 2021
الصورة

(فخر النساء رعد)

+ الخط -

كان يمكن لائحةَ الاتهام الأردنية الموجهة ضد رئيس الديوان الملكي الأسبق، باسم عوض الله، والشريف عبد الرحمن (زيد) حسن، أن تمر مرور "الكرام"، لولا شوكتان جعلتاها تمرّ هذه المرة "مرور اللئام": الأولى تمثلت بالتهمتين الثالثة والرابعة للشريف اللتين تضمنتهما اللائحة، والمتعلقتين بـ"حيازة المخدرات وتعاطيها". والثانية أنّ إعلان اللائحة تزامن مع حدث آخر لا يقلّ عنه أهمية، تشكيل لجنة إصلاح سياسي، برئاسة أحد رؤساء الوزراء السابقين، سمير الرفاعي، فشعر بعضهم بأنّ اقتران الحدثين معاً ما هو إلّا محاولة لترقيع شرخٍ عميقٍ في النسيج السياسي والاجتماعي الأردني الذي ترتب عن حادثة الأمير حمزة من جهة، والحراك العشائري الذي قاده النائب المُطاح من مجلس النواب، أسامة العجارمة، احتجاجاً على الموقف الرسمي من العدوان الصهيوني على غزّة، فبدا وكأنّ الانحياز الرسمي للإصلاح جاء لامتصاص البلبلة الناجمة عن هذه الأحداث غير المسبوقة في الحياة العامة الأردنية، ولا سيما أنّ أحد أقطاب واحدةٍ منها أمير من الأسرة الحاكمة التي عرفت بتماسكها ونهجها السلس في توارث الحكم، وقطب آخر في أخرى هو النائب الشاب من عشيرة وازنة من العشائر الأردنية التي عرفت بولائها المطلق لمؤسسة العرش، فبدا وكأنّ ثمّة بداية نكوص صريحة ومراجعة لهذا "المطلق"، ما يعني أنّ الركن العشائري الذي يمثل أحد الأركان المهمة في نظام الحكم مهدّد بالاختلال.

عموماً، لندع مسألة لائحة الاتهام المدوّنة بنحو ثلاثة آلاف كلمة، وأربع تهم، للقضاء، ليفصل فيها، على الرغم من أنّها، في رأيي، تحمل في طياتها بذور فنائها، لأنّ صياغتها جاءت مرتبكةً، معتمدة أساساً على اعتراض رسائل نصيّة شبه مشفّرة، تحتمل تأويلاتٍ متعدّدة، ولا تشكل قانونيّاً أيّ دليلٍ ملموسٍ على الإدانة، بالإضافة إلى أنّ معظم ما ورد فيها يندرج في إطار حرية الرأي التي كفلها القانون، فمن حق كلّ من ورد اسمه في اللائحة أن يبدي اعتراضه على سياساتٍ رسميةٍ يراها تقود البلاد نحو الهاوية. ولو كانت هذه الاعتراضات جريمة، لحوكمت غالبية الشعب بهذه التهم. أما التهمتان الثالثة والرابعة المتعلقتان بالمخدّرات، وهما خاصتان بالشريف، فيبدو أنّهما جاءتا لتعويض نقصٍ شعر به من أعدّ اللائحة، بديلاً، إذا برّأت المحكمة المتهم بهما عن جريمتي "مناهضة الحكم السياسي، والقيام بأعمال من شأنها تعريض المجتمع وأمنه للخطر".

تستوقف المرء في هذه المعمعة الصاخبة المحاولة الرسمية للتورية على هذه الأحداث الجسام، بتشكيل لجنة للإصلاح، وذلك مدعاة للتساؤل عن نوع الإصلاح الذي يرومه الأردن الرسمي، وهل يبلغ نظيره لدى الأردن الشعبي؟ أرجّح أنّ الإجابة سلبية، فثمّة هوة كبيرة بين تطلّعين، ولا سيما إذا ما علمنا أنّ الإصلاح السياسي الذي يتطلع إليه الشعب لا يتوقف عند قوانين الانتخاب والأحزاب.

باختصار، الشعب يبحث عن انعطافةٍ جذريةٍ في حياته السياسية، في مقدمتها قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني وإلغاء معاهدة السلام، وإعادة القضية الفلسطينية إلى سلم الأولويات. وهذا عين ما عبّر عنه الحراك الشعبي الهائل الذي شهده الأردن إبّان العدوان الهمجي على غزة، وكانت غالبيته من أبناء العشائر الأردنية الأصيلة التي بلغ تضامنها حدّ اختراق اثنين من أبنائها الحدود مع الاحتلال لمؤازرة الفلسطينيين، فهل الأردن الرسمي مستعدٌ لتلبية هذا "الإصلاح" المطلوب شعبياً؟

أيضاً، يريد الأردنيون إصلاحاً يجنّب الأردن الانحياز إلى محور التطبيع مع الاحتلال، عبر فكّ التحالف القائم مع قطبه الرئيس في أبوظبي، فهل الأردن الرسمي مستعدٌّ للمجازفة بانهيار علاقاته مع الإمارات ودول أخرى في الخليج؟ تبعاً لذلك أيضاً، هل يستطيع الأردن الرسمي تجنيب نفسه الانخراط في تحالفاتٍ عسكريةٍ استجابة لرغبات أميركية أو خليجية، كما فعل في أفغانستان وسورية والسعودية؟ يريد الأردنيون، أيضاً، إصلاحاتٍ أخرى تحدّ من تفرّد السلطات التنفيذية، بما فيها سلطة العرش نفسها، في صناعة القرار، خصوصاً في تشكيل الحكومات وحلّ مجالس النواب، فهل الأردن الرسمي مستعدٌّ للاستجابة؟

هذا ملخصٌ يسير للإصلاح من منظور شعبي، مع التذكير بأنّ الأردن الرسمي أخفق في التقاط أيّ لحظةٍ سانحةٍ لتحقيق الإصلاح الحقيقي، ومنها لحظة الربيع العربي الفائت، فهل يُلدغ الشعب ثانية من الجحر نفسه، ويصدّق ما ستؤول إليه مخرجات لجنة الإصلاح هذه المرّة؟ أغلب الظن أنّه سيُلدغ.