أهمية خطوة المحكمة الجنائية الدولية فلسطينياً

04 مارس 2021
الصورة

المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي (30/7/2016/Getty)

+ الخط -

أكدت الغرفة التمهيدية في المحكمة الجنائية الدولية، يوم 5 فبراير/ شباط 2021، اختصاصها في الملف الفلسطيني. ويعد هذا انتصارا للقانون الدولي، حتى وإن كنا ما زلنا بعيدين عن محاكمة مجرمي الحرب.

كل شيء بدأ في العام 2009 غداة العملية العسكرية الإسرائيلية "الرصاص المصبوب" في غزة، (2008 ـ 2009)، حين شنت فلسطين هجوما دبلوماسيا مطالبةً بصفة الدولة، ومسلّمة للمحكمة الجنائية الدولية إعلانا بقبول اختصاص المحكمة، حتى تحقق في الجرائم التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي. وتمثل رهان هذا المسعى، في المقام الأول، بتحديد ما إذا كانت فلسطين"دولة"، حيث لا يحقّ إلا لدولة قائمة أن تصبح طرفا في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

2009 ـ 2014: الاعتراف بالدولة الفلسطينية

بعدما طرحت عليه المسألة، دعا مكتب المدّعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية إلى مساهمات عامة لمساعدته في حل هذا الإشكال الشائك في مجال القانون الدولي. تم إرسال عشرات المذكرات، قادمةً من منظمات غير حكومية وجامعات وقانونيين، وتم نشرها في الموقع الإلكتروني للمحكمة الجنائية الدولية. وفي غضون ذلك، أصبحت فلسطين في أكتوبر/ تشرين الأول 2011، عضوا في منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)، وباشرت مساعي لدى الأمم المتحدة لتصبح دولة عضوا. ثم بعدما جوبهت بحق النقض من الولايات المتحدة، طلبت أن تكون "دولة ملاحظة"، وهو طلب كلل بالنجاح في نوفمبر/ تشرين الثاني 2012، بعد تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على القرار 67/ 19.

لم يأت قرار مكتب النيابة العامة للمحكمة سوى في إبريل/ نيسان 2012، أي بعد أكثر من ثلاث سنوات من تقديم الطلب الفلسطيني. رأى المدّعي العام أن مسألة وضع فلسطين القانوني غير مؤكّد، ولا يعود له الحسم فيه، وأن المسألة لا تحل سوى بموقف واضح تتبنّاه جمعية الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية أو الجمعية العامة للأمم المتحدة. ومن الغرابة، على أقل تقدير، أن يكون كل هذا الوقت ضروريا لتقديم جوابٍ مقتضب بهذا الشكل. تتكون الوثيقة من أقل من صفحتين، وهي من حيث الجوهر قابلة للنقد في نقاط عديدة، منها أن قبول فلسطين في اليونسكو لم يرد ذكره حتى، مع أنه يقدّم دليلا لا لبس فيه على أن الغالبية العظمى من الدول تعترف بصفة الدولة لفلسطين.

لم يأت قرار مكتب النيابة العامة للمحكمة سوى في إبريل/ نيسان 2012، أي بعد أكثر من ثلاث سنوات من تقديم الطلب الفلسطيني

وبعد الهجوم العسكري "الجرف الصامد" الذي شنته القوات الإسرائيلية على غزة في صيف 2014، حاول وزير العدل الفلسطيني سليم السقا "إعادة تفعيل" الإعلان الصادر في 2009 مرتكزا على وضع الدولة الملاحظة لفلسطين في الأمم المتحدة الذي تم منحه لها بعد القرار الذي اتخذه المدعي العام في إبريل/ نيسان 2012. ولم يكلل هذا العمل أيضا بنتيجة تذكر.

وفي بيان صادر في 2 سبتمبر/ أيلول 2014، أكّدت المدعية العامة الجديدة، فاتو بن سودة، أن المكتب "درس التداعيات القانونية لهذا التطور [الوضع الجديد لفلسطين في الأمم المتحدة]، وخلص إلى إنه إذا كان هذا التغيير لا يؤدي إلى تأييد إعلان عام 2009 بأثر رجعي، حيث كان غير صالح في السابق، كونه قُدّم من دون وجود الصفة المطلوبة، فقد أصبح من الممكن الآن لفلسطين أن تنضم إلى نظام روما الأساسي".

ويطرح هذا الموقف تساؤلات قانونية عديدة، فقرار المدعي العام في إيريل/ نيسان 2012 لم "يبطل" الإعلان، بل يبدو أنه "جمّده" إلى غاية الحصول على توضيح بخصوص الوضع القانوني لفلسطين. وما دام هذا التوضيح قد تم بعد التصويت في الأمم المتحدة، فهو يفتح الطريق لانضمام فلسطين مستقبلا إلى المحكمة الجنائية الدولية، بما أن الشكوك حول وضعها القانوني قد أزيلت.

2015 ـ 2019 وضعية فلسطين

هنا بدأت مرحلة ثالثة مع انضمام فلسطين رسميا إلى نظام روما الأساسي في يناير/ كانون الثاني 2015. وقد صاحب ذلك إعلانٌ يعترف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية في الجرائم المحتملة المرتكبة "في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية، ابتداء من 13 يونيو/ حزيران 2014". وبعد وقت قصير، فتحت المدعية العامة "دراسة أولية" بخصوص "وضع فلسطين"، قصد التحقق من استيفاء شروط اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وتحديد ما إذا كانت قد ارتُكبت جرائم حرب، جرائم ضد الإنسانية أو الإبادة الجماعية.

ستستمر هذه المرحلة الابتدائية من الإجراءات، قبل فتح تحقيق حقيقي… خمس سنوات! وهي فترة طويلة أثارت، مرة أخرى، شكوكا بخصوص الإرادة الحقيقية للمحكمة الجنائية الدولية للنظر في الملف الفلسطيني، وذلك في سياق لم تخف فيه دول عديدة متحالفة مع إسرائيل، بما في ذلك دول أوروبية، اعتراضها على المساعي الفلسطينية.

للمحكمة اختصاص في جميع الجرائم المرتكبة منذ يونيو 2014، في كل أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية

أخيرا، أعلن مكتب المدّعي العام، في ديسمبر/ كانون الأول 2019، أنه أغلق الدراسة الابتدائية وأنه مستعد لفتح تحقيق. وقد اعتبر أن فلسطين قد انخرطت بصفة قانونية في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وأن للمحكمة الاختصاص في محاكمة الجرائم المرتكبة على أراضيها التي تشمل غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية. وقد حدّد المدّعي العام الفئات الرئيسية لجرائم الحرب التي ينوي التحقيق فيها:

الجرائم التي ارتكبتها حركة حماس والجماعات الفلسطينية الأخرى في سياق حرب غزة في 2014، والمتمثلة أساسا في إطلاق صواريخ على السكان المدنيين الإسرائيليين. الجرائم المرتكبة في السياق نفسه من الجيش الإسرائيلي، والتي تتشكل أساسا في استهداف المدنيين الفلسطينيين وقتلهم وتدمير مبان مدنية. الجرائم التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في سياق "المسيرة من أجل غزة" في 2018، وأطلق خلالها جنود النار، وقتلوا نحو مائتي مدني فلسطيني، وجرحوا عديدين منهم. وأخيرا، الجرائم المرتكبة في إطار سياسة الاستيطان، وخصوصا توطين السكان المدنيين الإسرائيليين.

تأكيد حدود 1967

ولكن، وفي تطور غير متوقع جديد، طلب المدّعي العام أن تصدر "الغرفة التمهيدية" حكمًا بشأن مدى الاختصاص الإقليمي للمحكمة، نظرا إلى الشكوك التي قد تبقى قائمة بخصوص هذا الموضوع، ولكي يكون أي تحقيقٍ في المستقبل أكثر متانة. تبع ذلك تأخير إضافي لأكثر من عام، تلاه إصدار الحكم في فبراير/ شباط الماضي. مع ذلك، لم يذهب هذا الانتظار سدى، حيث أكدت الغرفة التمهيدية موقف مكتب المدّعي العام، فقد قرّرت أن للمحكمة اختصاصا في جميع الجرائم المرتكبة منذ يونيو/ حزيران 2014، في كل أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية، ما يمهد الطريق لإجراء تحقيق وفقا للأصول.

أقرّت الغرفة أولاً أنه يجب اعتبار فلسطين "دولة طرفا في نظام روما الأساسي"، بعدما تم الاعتراف لها بوضع "دولة مراقبة غير عضو في الأمم المتحدة" في عام 2012. ويمكنها بالتالي تفعيل اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، ولا سيما اختصاصها الإقليمي، وتقديم "إحالة" (شكوى) إلى مكتب المدّعي العام، وهو ما سبق أن فعلته فلسطين في 2018.

تمثلت النقطة الحاسمة الثانية في تحديد المدى الدقيق للأراضي التي يمكن للمحكمة ممارسة اختصاصها الجنائي عليها. لإقامة اختصاصها القضائي على جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة، اعتمدت الغرفة في المقام الأول على حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، على النحو المنصوص عليه في اللوائح العديدة جدا للجمعية العامة للأمم المتحدة. وعلى وجه الخصوص قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 67/ 19، الذي يمنح فلسطين صفة الدولة المراقبة، والذي "يعيد تأكيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال في دولة فلسطين التي تقع في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967". وأخيرًا، اعتبرت الغرفة أن اتفاقيات أوسلو التي تعفي المواطنين الإسرائيليين من الاختصاص الجنائي للسلطة الفلسطينية ليس لها تأثير على تحديد الاختصاص الإقليمي للمحكمة.

 سيكون التحقيق الرسمي الذي سيفتح طويلاً ومحفوفاً بالعقبات، وليس من السهل التكهن بنتائجه

تتجاوز النقاط التي حسمت فيها الغرفة، أيا كان ما تقوله، الإطار الدقيق للإجراءات أمام المحكمة الجنائية الدولية، ولها بعد قانوني ورمزي أوسع. اعتمد القضاة على نصوص ذات نطاق عام للغاية، والتي يمكن، بالتالي، اعتبارها على أنها تحدّد في القانون الدولي لوضع دولة فلسطين والحدود التي تحق لها. من وجهة النظر هذه، لا تعود الصعوبات المرتبطة بعدم الاحترام الفعلي لهذه النتائج إلى القانون، بقدر ما تتعلق بغياب الإرادة السياسية للامتثال له، كما يتجلى ذلك في الرفض المستمر لمعظم الدول الأوروبية الاعتراف بدولة فلسطين.

تحقيق تحت الضغط

بصفة غير مفاجئة، اتهمت إسرائيل المحكمة الجنائية الدولية بـ"معاداة السامية الخالصة". وطعنت الولايات المتحدة في قرار الغرفة، وانضمت إليهما دول غربية أخرى، مثل كندا وأستراليا والمجر، وحتى ألمانيا، التي أعلنت عبر "تويتر"، أن "المحكمة ليست مختصة بسبب عدم وجود دولة فلسطينية كما يقتضي ذلك القانون الدولي". وتظهر ردود الفعل القليلة هذه، والصمت المحرج للدبلوماسيات الغربية الأخرى، أن بقية الإجراءات قد لا تكون خاليةً من الضغوط، وأن مهمة حساسة تنتظر المدّعي العام المعين حديثًا، كريم خان، والذي سيتولى منصبه في يونيو/ حزيران المقبل.

بالفعل، سيكون التحقيق الرسمي الذي سيفتح طويلاً ومحفوفاً بالعقبات، وليس من السهل التكهن بنتائجه. يجب، من حيث المبدأ، أن يسمح التحقيق بتحديد دقيق للجرائم التي تم ارتكابها، ومن هم الأفراد المسؤولون عنها، وهو أمرٌ يتطلب فحصاً مفصلاً للوقائع وأدلة مادية. وستكون هذه المهمة أسهل ضد المشتبه بهم الفلسطينيين، كون فلسطين ملزمة بالتعاون بوصفها دولة طرفا في النظام الأساسي. في المقابل، ليس لإسرائيل أي واجب للتعاون، بل على العكس، من المحتمل أن تقوم بكل ما في وسعها لعرقلة عمل المحققين.

اعتادت إسرائيل فتح تحقيقاتٍ في "حوادث" تورّط فيها جيشها، تغلقها غالباً بعد أسابيع قليلة من دون متابعة

يتعين أيضا على المدّعي العام تحديد ما إذا كان ينبغي النظر في جرائم أو اتهامات أخرى. حيث لم يتم ذكر سوى جرائم الحرب في الوثيقة المقدّمة إلى الغرفة التمهيدية، في حين يمكن أن تشكل سياسة الاحتلال والاستيطان برمتها، نظرا إلى طبيعتها المنهجية والتمييزية، جرائم ضد الإنسانية، ولا سيما جريمة التمييز العنصري. وهو اتهامٌ تبته، في تقريرين آخرين، منظمات غير حكومية إسرائيلية (ييش دين وبتسيلم).

قانون دولي

هناك نقطة حساسة أخرى قادمة، تتمثل في تقييم المحكمة الجنائية الدولية لتطبيق مبدأ "التكامل"، الذي يتعين، بموجبه، الامتناع عن متابعة قضية إذا كانت فعليا محلّ إجراءات تحقيق وملاحقات قضائية في الدولة المختصة. وقد اعتادت إسرائيل فتح تحقيقاتٍ في "حوادث" تورّط فيها الجيش الإسرائيلي، تغلقها غالبا بعد أسابيع قليلة من دون متابعة. وعليه، ينتظر مكتب المدّعي العام عملا كبيرا للتحقّق من "مصداقية" الإجراءات التي يتم اتخاذها في إسرائيل. ولكن أخطر الاتهامات الموجهة إلى المسؤولين الإسرائيليين، تتعلق بأساليب قتالية محدّدة، أو سياسة الاستيطان التي تعد تطبيقا لعقائد متبنّاة بصفة رسمية، وهي بالتالي ليست أبدا محل إجراءات تحقيق. بخصوص هذه الجرائم، سيكون اكتشاف عدم وجود إجراءات جنائية داخلية غير صعب، ويمكن بالتالي استبعاد مبدأ التكامل بسهولة. من المفترض أن يكون إثبات هذا النوع من الجرائم سهلا، لأنه يستند إلى وثائق وقراراتٍ معلنة، في إطار سياسة دولة راسخة وسلسلة من المسؤوليات موثقة بدقة.

ما زال الطريق طويلا قبل الوصول إلى فتح قضايا فردية بناء على تهم محدّدة، مع إمكانية إصدار أوامر بالقبض، ناهيك عن المحاكمات، مع العلم أنه لا يمكن أن تتم هذه إلا بحضور المتهمين. ومع ذلك، يعدّ الحكم الذي أصدرته الغرفة بالفعل انتصارا قانونيا كبيرا، ليس فقط خطوة نحو إقرار مسؤولية جنائية عن الجرائم المرتكبة في إطار الاحتلال الإسرائيلي، بل أيضا وبشكل عام، كونه يأخذ القانون الدولي بعين الاعتبار في حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. كما يمكن أن يساعد أيضًا في تسليط الضوء على الجرائم الممنهجة التي يرتكبها القادة الإسرائيليون في الضغط على الدول الغربية، كي تعيد النظر في علاقاتها المتميزة مع إسرائيل، على غرار التطوّر الذي ارتسم، في آخر المطاف، مع جنوب أفريقيا في الثمانينيات.

__________________________________________________

ينشر المقال بالتزامن مع موقع أوريان 21 https://orientxxi.info/ar