أنا ابنة لغتي

أنا ابنة لغتي

20 نوفمبر 2021
الصورة

(منير الشعراني)

+ الخط -

يستغرب أصدقائي أن اللغة التي أستخدمها في هاتفي المحمول هي العربية. أسمع منهم تعليقات أحيانا تستهجن أنني وضعت اللغة العربية خيارا وحيدا لهاتفي المحمول. وأصدقائي هؤلاء جميعهم يعيشون في بلد عربي، يتكلمون العربية بلهجاتها المتعدّدة، يقرأون كتبا بها، يشاهدون أفلاما مترجمة إليها، يعبرون عن مشاعرهم بها. يفعلون كل شيء في حياتهم عبر اللغة العربية التي هي لغتهم الوحيدة، ومن عرف منهم لغة أخرى فمعرفته بها بقصد التواصل في حالات الضرورة، حتى من كان منهم قد تعلم في مدارس تستخدم إحدى اللغات الأجنبية لغة أساسية في التعليم، فإن تلك اللغة لم تستطع التحوّل إلى لغة تواصل يومية لديه، إذ ببساطة هو ما زال يعيش في مجتمعٍ قلة نادرة فقط منه تستخدم اللغة الإنكليزية أو الفرنسية في التواصل اليومي، ولأسباب طبقية، غرضها التمايز عن سائر المجتمع، حالة من الاستعلاء الطبقي الثقافي، إن صحّ التعبير، بوصف اللغة ثقافة أولا. يمكن هنا تفهم أن يستخدم هؤلاء اللغة الإنكليزية في هواتفهم أو حواسيبهم، فهو متسق مع آلية تفكيرهم. لكن ما هو السبب الذي سيجعل امرأة مثلي، هويتها اللغوية الأولى والأساسية اللغة العربية، أن تجعل إعدادات الأجهزة الذكية بالإنكليزية؟ 
تصحح صديقتان لي لفظ بعض المفردات باللغة الإنكليزية حين أتحدثها، وذريعتهما في ذلك أنني "مثقفة"، ولا يجوز أن أخطئ في اللفظ. قلت لهما مرارا إن الموضوع لا علاقة له بالثقافة، وإن الإنكليزية ليست لغتي ولا أتقنها، وإنني أعرف مترجمين أفذاذا ولهم باع طويل في الترجمة عن لغاتٍ أخرى، ومفردة "مثقف" تليق بهم أكثر بكثير مما تليق بي، ومع ذلك يخطئون في اللفظ وفي استخدام المفردات، حين يضطرون للحديث في اللغة التي يترجمون عنها، ذاك أن العقل البشري يشتغل بدهاء مدهش، ففي أثناء عملية الترجمة، يتم التركيز على المعنى وعلى فهم الجملة وتراكيبها وطريقة نقلها إلى اللغة العربية. يتحدّث المترجم مع النص، كما لو أنه يتحدّث مع نفسه. لا يكترث بلفظ الحرف إلا إذا كان اللفظ يغير المعنى، هو يفكّر باللغة العربية كيف سينقل نصا مكتوبا بلغة أخرى إليها. في التواصل مع الآخرين، يحدث الشيء ذاته، نحن نفكر باللغة العربية بمعنى ما نريد قوله بالإنكليزية مثلا، لن يكون لفظنا كما لفظ أبناء اللغة نفسها حتما لأننا لا نستخدم هذه اللغة إلا نادرا. 
لا بد من التنويه، أن إتقان الإنكليزية، على الأقل، بات أمرا ملحّا وضروريا للأجيال الشابة التي لا خيارات أمامها سوى التعامل مع التقنيات الحديثة في العمل والحياة، خصوصا أن العالم يتجه نحو التحول إلى عالم رقمي بكل تفاصيله، وهو ما يحتاج إتقان لغة مخترعي الرقميات ومطوّريها. وللأسف، لغتنا العربية عاجزة عن مواكبة هذا التطور بسبب عجز العرب عن الإنتاج والمساهمة في هذا التحول، وبقائهم في إطار المستهلكين فقط. 
بعيدا عن العالم الرقمي، وأنا لا أفقه به شيئا، لماذا سيكون معيبا لمن هي مثلي أن تخطئ في لفظ لغةٍ لا تتقنها أصلا؟ وأن يأتي النقد من أبناء لغتها، وليس من أهل اللغة نفسها؟ لدي أصدقاء، كتاب ومثقفون غربيون كثر، منهم من لغتهم الأم الإنكليزية، ومنهم من يتقنها لغة وسيطة. أتحدث معهم وأخطئ وأعجز أحيانا عن استحضار المفردات المناسبة، ومع ذلك نتواصل ويفهمون ما أقوله من دون اعتبار ذلك نقيصة! شيء آخر: هناك أجانب ومستشرقون كثيرون يعيشون في بلادنا منذ سنوات طويلة، منهم من يرفض التحدّث تماما بالعربية، (حالة استعلاء المستعمر الأبيض)، ومنهم من يتقن العربية لكنه ما يزال يخطئ في لفظ بعض أحرفها، ومع ذلك سنمتدح طريقته وقدرته على استخدام لغتنا، مهما كان فيها من أخطاء. الأمر على ما أظن هو في أزمتنا الشخصية مع هويتنا، واللغة جزء رئيس من هذه الهوية الإشكالية. 
وبالعودة إلى الهاتف المحمول، ليس من باب العشوائية أن تضع الشركة المصنّعة لأي جهاز خيارات عدة للغة المستخدمة، فذلك ليس فقط من باب تسهيل الاستخدام والترويج والربح، بل أيضا من باب فهم أن اللغة كيان شخصي وذات وهوية، و ليس من حق أحد فرض لغته على أحد آخر، إلا إذا كان مختلا أو مستعمرا. .. الدول الاستعمارية القديمة تجاوزت تاريخها أخيرا، علينا نحن أيضا تجاوزه.